ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله: (والمُحصَناتُ من الذين أوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم) هل يعمّ كلَّ كتابية عفيفة سواء كانت حرة أو أمَة؟ حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف ممَّن فسَّر المُحصَنة بالعفيفة. وقيل: المراد بأهل الكتاب ههنا الإسرائيلياتُ. وهو مذهب الشافعيّ. وقيل: المراد بذلك الذميات دون الحربيات، لقوله: (قاتِلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرَّم اللهُ ورسولُه ولا يَدينون دينَ الحقِّ من الذين أوتُوا الكتابَ حتى يُعطُوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون) (التوبة: 29) وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ويقول: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول إن ربَّها عيسى، وقد قال الله تعالى: (ولا تَنكِحوا المشرِكاتِ حتى يُؤمِنَّ) قال: فحجز الناس عنهنَّ حتى نزلت الآية التي بعدها (والمُحصَناتُ من الذين أوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم) فنكح الناس نساء أهل الكتاب. وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يَرَوا بذلك بأسًا أخذًا بهذه الآية الكريمة (والمُحصَناتُ من الذين أوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم) فجعلوا هذه مخصِّصة للتي في سورة البقرة (ولا تَنكِحوا المشرِكاتِ حتى يُؤمِنَّ) إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها وبينها لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مُنفَكِّين حتى تأتيَهم البينةُ) وكقوله: (وقل للذين أوتُوا الكتابَ والأُمِّيِّين أأسلمتم فإن أسلَموا فقد اهتدَوا...) الآية، وقوله: (إذا آتيتموهنَّ أجورهنَّ) أي مُهورَهنَّ، أي كما هنَّ محصَنات عفائف فابذلوا لهنَّ المُهور عن طيب نفس. وقد أفتى جابر بن عبد الله والشعبيّ والنخعيّ والحسن البصريّ بأن الرجل إذا نكَح امرأة فزَنَت قبل دخوله بها أنه يفرَّق بينهما وتَرُدُّ عليه ما بذل لها من المهر. رواه ابن جرير عنهم.