ثانيهما: اختلف شيوخ الصوفية، كما قال صاحب القبس [1] : هل الدعاء أفضل أم الذكر المجرد؟ فمنهم من رجح الثاني، لقوله - عليه الصلاة والسلام - حاكيًا عن الله:"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" [2] ، وقيل في كرم المخلوقين:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحيا
وعلمك بالحقوق [فانت] [3] قَرْمُ ... لك الحسب الهذب والسنا
(1) القبس (2/ 412) .
(2) البخاري في كتاب خلق أفعال العباد -رحمنا الله وإياه- (105) ، وأخرجه الطبراني من حدث ابن عمر. وقال ابن حجر في الفتح (11/ 134) : ومناسبة الترجمة -أي باب الدعاء بعد الصلاة- لهما: أن الذاكر يحصل له ما يحصل للداعي إذا شغله الذكر عن الطلب، كما في حديث ابن عمر رفعه، ثم ساقه. أخرجه الطبراني بسند لين.
وقد ذكر ابن القيم -رحمنا الله وإياه- في الوابل الصيب (190) ، فقال: الفصل الثاني: الذكر أفضل من الدعاء لأن الذكر ثناء على الله -عز وجل- بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه، والدعاء: سؤال العبد حاجته، فأين هذا من هذا؟ ثم ذكر:"من شغله ... إلخ"ولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله -تعالى- والثناء عليه، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بين يدي حاجته، ثم يسأل حاجته، كما ورد في الحديث:"إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه عز وجل والثناء عيه، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يدعو بعد بما شاء". رواه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. والحاكم. وهكذا دعاء ذي النون - عليه السلام -، الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم:"دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلَّا فرج الله كربته، لا إله إلَّا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".
(3) في ن ب د (وأنت) .