وقال ابن دقيق العيد: استدل على إفادتها الحصر بأن ابن عباس استدل على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث: (إنما الربا في النسيئة) وعارضه جمع من الصحابة في الحكم ولم يخالفوه في فهمه، فكأنهم اتفقوا على إفادتها الحصر، ورد باحتمال أن يكونوا تركوا المعارضة فيه تنزلًا، ولا يصح أن يكون اعتمادهم في تركها على حديث: (لا ربا إلا في النسيئة) كما توهم لأن ذاك يقوي الحصر، فكيف يدفعه إذ يفيد أن الصيغتين عندهم بمعنى وإلا لما استعملت إحداهما مكان الأخرى، ولما تواردتا على شيء واحد كقوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن:12] وقوله تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور:54] . وأصرح من هذا حديث: (إنما الماء من الماء) فإن الصحابة الذين ذهبوا إلى عدم لزومه الغسل بغير الإنزال لم يعارضهم الجمهور في فهمهم الحصر منه بل عارضوهم في الحكم بأدلة أخرى كخبر: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) ، ومن ذلك قول الشاعر:
~ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر
وما تقدم في توجيه إفادتها الحصر مبني على أنها بسيطة إما على القول بأنها مركبة فوجه إفادتها الحصر حينئذٍ ما نقل عن الربعي وغيره أن إن لتأكيد الإثبات، ولما اتصلت بها ما المؤكدة لا النافية كما قيل به على ما سيأتي ضاعفت تأكيدها، وقيل: وجهه تكرار التأكيد من إنما وما والجمع وعليهما، فيتناسب أن تضمن معنى ما وإلا إذ القصر إنما هو تأكيد الحكم على تأكيد، انتهى.
وأقول: تفسير القصر بما ذكر باللازم وإلا فهو تخصيص أحد الأمرين بالآخر وحصره فيه، وهذا القيل رده الكرماني فقال: وإما توجيهه بأنه توكيد على توكيد فهو من باب إيهام العكس إذ لما رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكيد ظن أن كل ما فيه تأكيد على تأكيد للحصر وليس كذلك وإلا لكان والله إن زيدًا لقائم للحصر وهو باطل، انتهى.