100 -101 (42 - 43) قوله جَلَّ جَلالهُ: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 128] .
* ذكر الله سبحانه حُكْمَ الرجلِ مع نسائهِ، وندبَ كُلَّ واحدٍ من الزوجِ والزوجةِ إلى إسقاطِ حَقِّهِ عندَ نشوزِ صاحِبه؛ لما فيه من البقاء على حُسْنِ العهد.
فبين اللهُ سبحانه أنه يجبُ عليه العَدْلُ بينَ أزواجه فيما يستطيعه من الواجبات؛ كالنفقةِ والكسوةِ والإيناسِ بالمبيت، ولا يجب عليه العدلُ فيما لا يدخلُ تحتَ استطاعته؛ كالمحبة والوِداد، فأيُّهما أسقطَ حَقَّهُ، وغلبَ نَفْسَه، كانَ محسناً.
فإن أرادَ فِراقها، إما لِكِبَرٍ أو دَمامةٍ، ورضيتْ بالصُّلحِ على إسقاطِ حَقِّها، وتسليمِ شيءٍ منْ مالِها؛ لبقاءِ قَسْمِها، كانت محسنةً، ولا جُناح على الرجلِ في قَبول ذلك، بل هو أفضلُ من تفارُقِهما، وإن صبرَ على كبرِها، وأوفاها حَقَّها، كان مُحْسناً.
وقد بين النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك عن الله سبحانَه.
روى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه قال: قالت عائشة: يا بنَ أختي! كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُفَضِّلُ بَعْضنا على بَعضٍ في القَسْمِ منْ مُكْثِه عندَنا، وكان قَلَّ يومٌ إلا وهو يطوفُ علينا جَميعاً، فيدنو من كلِّ امرأة من غير مَسيس، حتى يبلغَ التي هو في يومها، فيلبَثُ عندَها، ولقد قالَتْ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ حينَ أَيِسَتْ وفَرِقَتْ أن يفارقَها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله! يومي لعائِشةَ، فقبلَ ذلكَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقالت: تقول: في ذلكَ أنزلَ اللهُ، وفي أشباهها، أراهُ قال: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} [النساء: 128] الآية.
وقد عُلِم هذا من بيانِ الآيةِ التي قبلها.
وأما قولُه تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} [النساء: 129] ، فالمراد به العدلُ بينهنَّ بميلِ القلبِ والمحبَّةِ، فذلك غيرُ داخلٍ تحتَ
الاستطاعة، ولو حَرَصَ عليهِ الرجلُ، ولهذا تجاوزَ الله عنه.