الثالثة: خَرَّجها أبو داودَ عن ابنِ مسعودٍ - رضي الله تعالى عنه - قال: صَلى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ الخوفِ بطائفةٍ، وطائفة مستقبلي العدوِّ، فصلى بالذين معه ركعةً وسجدتين، وانصرفوا ولم يسلموا، فوقفوا بإزاءِ العدو، ثم جاء الآخرون فقاموا معه، فصلى بهم ركعة، ثم سلم، فقام هؤلاء فقضوا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا وذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى مراتبهم، فصلوا لأنفسهم ركعةً ثم سلموا.
فأخذ أبو حنيفةَ بهذه الروايةِ، إلا أنه قال: تتم الطائفةُ الثانيةُ الركعةَ التي عليها بعدَ أن تذهبَ إلى وَجْهِ العدو، وتأتي الطائفةُ الأولى وتتم ركعتها، ثم تذهب إلى مقامِ العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية، فحينئذٍ تتمُ ركعتَها.
وقد أُنكرتْ عليهِ هذهِ الزيادةُ، وقيل: إنها لم تردْ في حديثٍ.
وأخذ الأوزاعيُ وأشهبُ المالكي بروايةِ ابنِ عُمَر، ورُجِّحَتْ بأنها وردتْ بنقلِ أهلِ المدينة، وهم الحجةُ في النقلِ على مَنْ خالفهم.
وبرواية صالحِ بنِ خَوّاتٍ أخذَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثور، ورجحوا بأنه أحوطُ للصلاة؛ لقلةِ الأفعالِ فيها.
قال الشافعيُّ: ولأنهُ أكثرُ موافقةً للقرآن؛ لأن اللهَ سبحانه ذكرَ صلاةَ الطائفتين معه، وإذا أتموا لأنفسِهم، لم تكنْ جميعُ صلاتِهم معه، ولأن اللهَ سبحانه لم يذكرْ على الإمامِ ولا على واحدةٍ من الطائفتين قضاءً، ولأنَّ اللهَ سبحانه وصفَ الطائفةَ الآتية أنها لم تصلِّ، ولو صلَّتْ ركعةً ثم انصرفتْ ورجعتْ لم يقعْ عليها الوصفُ بأنَّها لم تصلِّ، ولأنه أبلغُ في الحِراسةِ ومَكيدةِ العدوِّ، ومعلومٌ أن منْ هو خارجَ الصلاة أكملُ في الحراسةِ ممَّن هو فيها؛ لأن غيرَ المصلي يتكلمُ بما يَرى من حركةِ العدوِّ وإرادته، ويخبر عنه بالمَدَدِ وغيره، فيخففُ الإمامُ والمصلون لذلك، أو يأخذون حِذْراً أبلغَ من الأولِ، أو يخبر الإمامَ أن حركةَ العدو حركةٌ لا خوفَ فيها، فيتمكن من صلاته، فلا يعجل فيها.
وفي غيرها من الروايات: تُصَلِّي الطائفتانِ مع الإمامِ بعضَ الصلاة، ولا يكون لهما حارس إلا الإمام.
ولم يأمرِ اللهُ سبحانه إلا بحراسةِ إحدى الطائفتين [للأخرى] .
وكان الأخذُ بروايةِ صالحِ بنِ خَوَّاتٍ أبلغَ في الحذر، وأقوى في المكيدة، وأحوطَ للصلاة، وأكثرَ موافقةً للقرآن. ولهذا قال فيه مالكٌ:
وهذا أحسنُ ما سمعت في صلاةِ الخوف.