-فمنهم من ذهب إلى تعريفِها بالتَّعْدادِ، وهم جمهورُ الصَّحابة - رضي الله تعالى عنهم - .
واختلفت رواياتُهم وعباراتُهم في تَعْدادها على أقوالٍ كثيرةٍ مذكورة في كتبِ الحديث، وقولُ بعضِهم داخل في قولِ بعضٍ، وينبغي أن يُحْمَلَ قولُ من اقتصرَ منهم في العَدَدِ على أربع أو سبع ونحوِ ذلك على أكبرِ الكبائرِ؛ كما وردَ التلفُّظُ بأكبرِ الكَبائر في بعضِ الروايات.
-ومنهم من ذهب إلى تعريفها بالضوابط الكُليَّةِ.
قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: قال رجلٌ لابنِ عباس: الكبائرُ سبعٌ؟ قال: هي إلى السبع مئةٍ أقربُ منها إلى سَبْعٍ، غيرَ أنه لا كبيرةَ مع استغفارٍ، ولا صغيرةَ مع إصرارٍ.
-ثم اختلفوا على أقوالٍ كثيرةٍ، وأقوالُ بعضِهم قريبةٌ من بعض.
فقال زيدُ بنُ أسلمَ: الكبائرُ ما لا تصلحُ معه الأعمالُ. وكأنه يشيرُ إلى الشِّرْك، وجمعهُ لاخْتِلاف أنواعِ الكفر.
وقال الحسينُ بنُ الفضلِ: ما سماه اللهُ في القرآنِ كبيراً أو عظيمًا، نحو قولهِ تعالى {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] ، {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31] ، {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ، {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] ، {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الأحزاب: 53] .
وقال سفيان الثوريُّ: الكبائرُ ما كان فيه تَظالُمُ العِباد فيما بينهم، والصغائرُ ما بينهم وبينَ الله عَزَّ وجَلَّ؛ لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"يُنادي مُنادٍ من بُطْنانِ العَرَّشِ يومَ القيامة: يا أمةَ مُحَمَّدٍ! إنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ - قَدْ عفا عَنْكُمْ جَميعاً، المؤمنين والمؤمناتِ، تَواهَبوا المَظالِمَ، وادخُلوا الجنةَ بِرَحْمَتي"، ولأن الكريمَ لا يتعاظَمُه شيءٌ.
وقال مالِكُ بنُ مِغْوَلٍ: الكبيرةُ ذنبُ المُبْتَدِع، والصغيرةُ ذنبُ السُّنِّيِّ.
وقال الحسنُ وسعيدُ بنُ جبير: الكبائرُ ما جاء مقرونًا بذكرِ الوعيد.
وقال عليُّ بنُ أبي طلحةَ، وابنُ عباسٍ فيما حُكيَ عنه: الكبيرةُ كلُّ ذنبٍ ختمهُ اللهُ سبحانه بنارٍ، أو غَضَبِ، أو لَعْنَةٍ، أو عذابٍ.
وقال الضحاكُ: ما أوعدَ الله عليه حَدًّا في الدنيا، أو عذاباً في الآخرة.
وقال المحاسِبِيُّ: الكبائرُ ذنوبُ المستحلِّين؛ كذنب إبليسَ - لعنه الله سبحانه - ، والصغائرُ ذنوبُ المستغفرين؛ كذنب آدمَ - عليه الصلاةُ والسلام - .