فإن قال قائل: فمذهبُ الشافعيِّ يخالفُ تفسيره؛ فإنه إن فسرَ إحصانَها بنكاحِها؛ كما حكاه ابنُ عبدِ الأعلى وابنُ عبد الحَكَمِ، وجب عليه أن يقولَ بسقوط الحَدِّ عنها قبلَ الإحصان؛ كما هو مذهبُ ابنِ عباسِ - رضي الله تعالى عنهما - ، وإن فسره بإسلامها، وجبَ عليه أن يقولَ بسقوط الحَدِّ عنها قبلَ الإسلام، وإن كانت مزوجةَ؛ لأنه فائدة الاشتراط للإحصان، وهو لم يقل بشيء من ذلك.
قلنا: لو لم تَرِدِ السنةُ بتركِ اعتبارِ تأثير الإحصانِ في وجوبِ الحدِّ وسقوطِه، كما توهمهُ السائل مؤثراً كما هو ظاهر القرآن، لقلنا بذلك،
ولَمَّا وردتِ السنَّةُ، عملنا بها، وفهمنا أن فائدةَ الاشتراطِ والتقييدِ بالإحصان إنما هو التنبيهُ على سقوطِ الرَّجْمِ عنها في أكملِ حالاتها، بخلاف الحرة، لا لمخالفة ما قبل الإحصان ما بعده، وحينئذ فيدل القرآنُ على سقوطِ الرجم عنها من وجهين:
أحدهما: نصاً، وهو هذا، إن حُمل الإحصانُ على الإسلام.
والثاني: استنباطاً، وهو عدم تصور التنصيف في الرجم، إن حُمل الإحصانُ على النكاح.
* إذا تمَّ هذا، فقد اختلفوا في قياسِ العبدِ على الأمةِ في تنصيفِ الحَدِّ، فأجازه فقهاءُ الأمصار، ومنعه أهلُ الظاهر؛ لأنهم لا يقولون بالقياس.
(من أحكام البيوع)
79 - (20) قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] .
* نهانا الله سبحانه عن أكلِ أموالِ بعضِنا بعضاً بالباطل، والمراد بالأكل الأخذُ؛ لأن الأخذَ يُراد للأكل، فعبر بالمسبَّب عن سببِه، وأباحَ أكلَها بالتجارة إذا كانتْ عن تراضٍ.
* ولما كان الرضا أمراً يتعلق بالباطن، لا يطَّلعُ عليه أحد في الظاهرِ إلا ببيانِ اللسان، اشترطنا النطقَ، واكتفينا به دليلاً على الرضا، صريحاً كان النطقُ أو كناية؛ لقيام الكنايةِ بالدلالةِ على الرضا.
ولأجل هذا اشترطنا كونَ اللفظِ ماضياً؛ كقول البائع: بِعْتُك بكذا، أو قول المشتري: اشتريتُ، وابتعتُ منك بكذا؛ لتحقيق الدلالة.
ومنعنا انعقادَهُ بالألفاظ المستقبلة؛ لعدم تحقق الرضا، فإن اللفظ متردِّدٌ بين الوعد والإنشاء.