فآيةُ الجلد مبينةٌ لجنسِ الإيذاءِ في حقِّ البِكْرِ، وآيةُ الرجمِ ناسخةٌ للأذى
في حقِّ الثيّبِ؛ إذ لا يجوزُ في اللسانِ إطلاقُ الأذى على الرجمِ والقتلِ حتى تكون مبينة لمُجْمَلِه، وإنما يُطلق الأذى على ما دون ذلك.
فهذه الآيةُ بعضُها مبيَّنٌ وبعضُها منسوخٌ، إلا أن يثبتَ تعيينُ الإيذاءِ بنوعٍ معلومٍ مستقرٍّ في الشرع، فتكون هذه الآيةُ منسوخةً في حقِّ البكرِ والثيِّبِ، وثبوت ذلك طريقه][النقل الصحيح، ولقد أخطأ من خصَّ الأنثيين بالبكرين، حتى تحكم.
ونسخُ الأولى بالثانية من وجهين]: من طريق اللغة والنقل.
أما اللغة، فَلِمَا قدمتُ، فلا يجوز أن يجعل المذكر ناسخًا لخطابِ المؤنث الذي لا يجوزُ إطلاقهُ على المذكَّرَ بحالٍ.
وأما النقلُ، فلقوله - صلى الله عليه وسلم -:"خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وتَغْريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مئةٍ والرَّجْمُ"ولم يقل: [خذوا عني] ، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا هو الأذى، فدلَّ على بطلانِ قوله.
* وفي الآية دليلٌ على أن الزانيَ إذا تابَ سقطَ عنُه الحَدُّ؛ لأن اللهَ سبحانه أمرنا بالإعراضِ عنه، ولو كانَ واجبًا لم يسقطْ، ولَما أَمَرنَا بالإعراض،
وهذا أحدُ قولَي الشافعيِّ - رحمه الله تعالى - .
وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ - رحمهما الله تعالى - والشافعيُّ في القول الجديد: إن الحدَّ لا يسقطُ بالتوبةِ.
واستدلَّ قائلوه بإطلاقِ قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] ، ولا دليلَ فيه؛ لأنه مطلقٌ، وهذا مقيدٌ بالتوبة، والمقيدُ قاضٍ على المطلقِ باتفاقِ أهل العلمِ بشروط الاستدلال.
وهذا عندي أقوى دليلًا، وبه أقول؛ للنص المذكور في الآية، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في ماعز:"هَلَّا تَرَكتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ"لَمَّا أخبروه أنه قال: رُدُّوني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَمّا مَسَّهُ ألمُ الحجارة.
* وعطفُ الإصلاحِ على التوبة:
-يحتملُ أن يُرادَ به الإصلاحُ بنفسِ التوبة، أي: فإن تابا وأصلحا بالتوبة.
-ويحتمل أن يرادَ به: فإن تابا وأصلَحا العمل، وهو الظاهر؛ لأن
العطفَ يقتضي الغَيْرِيَّةَ، ولأن به تتبيَّنُ التوبةُ الخالصةُ لله - تعالى - من التوبةِ للتَّقِيَّةِ.
* وقد اختلفَ الشافعيةُ في اشتراطِ الإصلاح، والصحيحُ اشتراطهُ.