قد تقدم الكلام عن الكلالة أول السورة بما يغني عن إعادته هنا، وكان أمر الكلالة عند عمر مشكلًا، ولذلك قال على المنبر ثلاثًا: (( لو بينها النبي صلى الله عليه وسلم لكان أحب إلي من الدنيا وما فيها: الجد والكلالة والخلافة وأبواب من الربا ) ). ويروى أنه خطب الناس يوم جمعة، فقال: إني والله ما أدع شيئًا هو أهم إلي من أمر الكلالة. وقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن في نحري، وقال: يكفيك آية السيف التي نزلت في آخر سورة النساء، فإن أعش فأقضي فيها بقضية لا يختلف فيها اثنان ممن يقرأ القرآن، فعلى قول عمر آية السيف هي هذه. وروى أبو سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم: سئل عن الكلالة فقال: (( ألم تسمع الآية التي نزلت في السيف ) ): {وإن كان رجل يورث كلالة} [النساء: 12] إلى آخر الآية، فعلى هذا آية السيف في صدر السورة، وقد قال البراء بن عازب آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: {يستفتونك قال الله يفتيكم في الكلالة} ، وقال كثير منهم: هي من آخر ما أنزل.
ونزلت هذه الآية بسبب جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض، فقلت: يا رسول الله كيف أقضي في مالي وكان لي تسع أخوات ولم يكن لي والد ولا ولد؟ فنزلت الآية، ونزلت بالمدينة، وقيل: في سفر كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {فإن كانتا اثنتين} فيه قولان، قال الأخفش: التقدير فإن كان من ترك اثنتين، وجاء الضمير على معنى من. وقال المازني: فائدة الخبر ها هنا أنه لما قال: (( كانتا ) )كان يجوز أن يكون الخبر صغيرتين أو كبيرتين، فما قال: (( اثنتين ) )اشتمل على الصغير والكبير. وقد تقدم كثير من الكلام على فقه هذه الآية فأغنى عن إعادته، والله الموفق للصواب. انتهى انتهى {أحكام القرآن، لابن الفرس الأندلسي. 2/} ...