و {عَلَى} : يحتمل أن يكون متعلقًا بـ {وَعَدْتَنَا} ، أي: وآتنا ما وعدتنا على أسنة رسلك، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أنَّ تجعله حالًا من الموعود، على حد: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، أي: وآتنا ما وعدتنا مُنْزلًا على رسلك، أو محمولًا على رسلك؛ لأنَّ الرسل محمَّلُون ذلك، بشهادة قوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} .
وقوله: {إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} الميعاد: مصدر بمعنى الوعد، مفعال منه، وقُلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وقد ذكر فيما سلف.
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ} يقال: استجاب له، واستجابه بمعنًى، أي: أَجَابَهُ، وقد ذكرتُ في"البقرة"عند قوله تعالى: {اسْتَوْقَدَ نَارًا} ، ومفعوله محذوف، أي: فاستجاب لهم ربهم دعاءهم، فاعرفه.
وقوله: {أَنِّي لَا أُضِيعُ} الجمهور على فتح الهمزة من {أَنِّي} على إسقاط الجار وهو الباء، أي بأني. وقرئ: بالكسر على إرادة القول، أي: قال لهم: إني. وأصل {أُضِيعُ} : أُضْيعُ، فنُقلت حركة الياء إلى الضاد.
{مِنْكُمْ} : في موضع جر لكونه صفة لـ {عَامِلٍ} . وكذا {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} صفة له بعد صفة، وقد جوز أن يكون بدلًا من {مِنْكُمْ} ، وأن يكون حالًا من المستكن في {مِنْكُمْ} .
و (من) في {مِنْ ذَكَرٍ} لبيان الجنس، وقد جوز أن تكون زائدة مؤكدة للنفي، والتقدير: عمل ذكر أو أنثى.
وقوله: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} ابتداء وخبر، والمعنى: أن ذكوركم وإِناثكم يجمعهما أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر، أي من أصله. وقيل: في الدِّين وفي التناصر والتعاون، ومحل الجملة النصب على الحال من المنوي في {مِنْكُمْ} ، أي: متجانسين أو متناصرين.