والمعروفُ فِي استعمال الهَوى عند الإطلاقِ أنَّه الميلُ إلى خلافِ الحق ، كما
في قولِهِ عزَّ وجلَّ: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) .
وقالَ: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) .
وقد يُطلقُ الهوى بمعنى المحبةِ والميلِ مطلقًا ، فيدخلُ فيه الميل إلى الحقِّ
وغيرِهِ ، وربَّما استُعْمِلَ بمعنى محبةِ الحقِّ خاصةً والانقيادِ إليه.
وسئلَ صفوانُ بنُ عسَّالٍ: هل سمعتَ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يذكرُ الهَوى ؟
فقال: سأله أعرابيٌّ عن الرجل يُحبُّ القومَ ولم يلحقْ بِهِم ، فقال:"المرءُ مَعَ مَنْ أحبَّ".
ولمَّا نزلَ قولُهُ عزَّ وجل: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) ، قالتْ عائشةُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ما أرَى ربَّك إلا يُسارِعُ فِي هواك.
وقال عمرُ فِي قصة المشاورةِ فِي أُسارَى بدرٍ: فهوَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ما قالَ أبو بكرٍ ، ولم يَهْوَ ما قلتُ ، وهذا الحديثُ مما جاء استعمالُ الهَوى فيه بمعنى المحبةِ المحمودةِ.
وقد وقعَ مثلُ ذلكَ فِي الآثارِ الإسرائيليةِ كثيرًا ، وكلامُ
مشايخ القومِ وإشاراتُهم نظمًا ونثرًا يكثُر فيها هذا الاستعمال.
وممَّا يناسبُ معنى الحديثِ من ذلكَ قولُ بعضهِم:
إن هواكَ الَّذي بقلْبِي ... صَيرنِي سامِعًا مطِيعًا
أخذتَ قلْبي وغَمْضَ عيني ... سَلَبتنِي النَّومَ والهُجُوعا
فذَرْ فؤادِي وخُذْ رُقادِي ... فقالَ: لا بلْ هُمَا جميعًا