ولما لم يكن ذلك كذلك ولم يدّعِ أحد من أهل العلم أنّ رسولَ الله
-صلى الله عليه وسلم - كان قد نص على ذكرِ أولِ ما أُنزل عليه من القرآنِ وآخرهِ نصّاً جَلِيا ظاهرا فَرْضُ علمِه ، ولم يكن بينَ سَلَفِ الأمّةِ وحلَفها اختلاف فِي أنّ العلمَ بذلك ليس من فرائض الدين ، وأنه مما يَسَعُ الإبطاءُ عن علمه والسؤالُ عنه ، ولا يأثمُ التاركُ للنظرِ فيه إذا قرأ القرآنَ على وجهه ولم يغيّرْهُ عن نظمه ولم يَزِدْ فيه ولم يُنقِص منه: عُلِمَ بهذه الجملةِ أنه لا نصّ من الرسولِ قاطع على أوّل ما أُنزل عليه من ذلك وآخرِه ، وعلى تفصيل مكّية ومدنيّه ، وإذا ثبتَ ذلك بطلَ ما حاولتُمُوه.
وممّا يدلّ أيضا على صحّةِ ما قلناه أنّ المختلفين فِي ذلك من الصحابة
لا يرَونَ اختلافَهم فيه عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بل إنّما يُخبرون بذلك عن أنفسِهم وما أدّاهم إليه اجتهادُهم واستدلالُهم بظاهرِ الأمر ، وإن روى بعضهم فِي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً لم يَرَوْهُ نصّاً قاطعاً ، وإنّما يُحكى عنه قولاً مُحتَمِلاً ، وقصّةً للتأويلِ والظنون عليها سبيل وطريق ، وليس يجبُ اتفاقُهم على ما هذه سبيلُه ، ولا أن يكونَ نقلُهم لما سَمِعُوه منه فِي هذا
الباب من الكلام المحتَمِلِ ظاهراً منتشراً إذا كان لم يقع من الرسول وقوعاً
معلَناً بحضرة مَن تقومُ به الحجّةُ ، ولا هو ممّا أراد وقصدَ وقتَ قوله ذلك
للواحدِ والاثنين أن يُذاعَ عنه ويَنتشِرَ من قِبَلِه حتى يكرره ويرددَه ويقصدَ إذاعتَه وإقامةَ الحجّة بإظهاره ، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب شيء مما قلتموه.
وقد اختلفَ الصحابةُ ومَن بعدَهم فِي أولِ ما أُنزل من القرآن وآخره .
ورُوِيَت فِي ذلك روايات كلها محتملة للتأويل ، فقال قوم منهم: أولُ شيء ٍ
أُنزل: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) .
وقال آخرون: أولُ ما أُنزل: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) .