"ولو شئت أن أورد الشواهد على هذا الوجه لخرجت عن الاختصار الذي التزمته فِي هذا الفسل. إنك لتجد من التنبيه على عجائبها فِي كل جزء من هذا التفسير ما لا تجده فِي غيره حتى الدقه فِي معاني مفرداته وتحديد الحقائق فِي جُمَلِه، ومزج المعاني الكثيرة فِي أسلوبه، ولطف التناسب بين آياته وبين سُورة. ومن أعجبها ضروب الإيجاز التي انفرد بها وكثرة تكراره للمعنى الواحد بعبارات لا يملها قارئ ولا سامع، ومن العجب غفلة أكثر ظلاب البلاغة عنها".
وبهذا أضاف الشيخ الإمام محمد عبده إلى دلائل الإعجاز كما بينها الجرحاني: ضرورة الإتصال بروائع الفصحى لكسب ذوقها الذي به تُدرك بلاغة النظم المعجز.
كما لفت إلى الأثر النفسي لفن القول، وهو الملحظ الذي انظلق به أستاذنا أمين الخولي إلى مداه الرحب، فقدم فيه رسالته عن (الإعجاز النفسي للقرآن) .
والشيخ محمد عبده، عبر عن النظم بالأسلوب، وجعل لتأثير التلاوة مكاناً فِي قضية الإعجاز البلاغي، وأدخل الأوربيين ممن تعلموا العربية، فِي الاحتجاج لإعجاز القرآن، وتعلق"بشهادة أهل العلم والإنصاف منهم، بهذا الإعجاز فِي النظم والأسلوب، والبلاغة يغوص تأثيرها فِي أعماق القلوب".
وفيما عدا ذلك، نراه متأثراً بمذهب عبد القاهر فِي فهم الإعجاز ونهجه فِي المناقشة والاحتجاج.
والواقع أنه بقدر ما سيطر"السكاكي"على البلاغين المدرسيين، سيطر"عبد القاهر"على من تصدى من المحدثين لموضوع الإعجاز البلاغي، فكان الذي أضافوه إلى رصيده أن يتحدث المتحدثون عن إعجاز القرآن فيقولوا: ما أروع وما أعظم، ما أبهى وأبلغ، وما أجل وأسنى، ونظر إلى شرف هذا المعنى وجزالة ذلك اللفظ وفخافة هذه العبارة وروعة ذلك المثل، وتأمل فِي سحر هذا الإيقاع واسر ذلك النغم...