وكان حظ القرآن من (مفتاح العلوم) وشروحه، بضع شواهد قرآنية سيقت مع حشد من شواهد وأمثلة أخرى من قول البشر. ثم كان الجهد، كل الجهد، موجهاً إلى العناية بإجراء الصنعة البلاغية التي تتعلق فِي التشبيه مثلاً: ببيان أركانه وأداته ووجهه وأقسامه ومرتيته، وفي الاستعارة: بمعرفة المستعار له والمستعار منه والجامع والقرينة والتجريد والتصريح والترشيح... وفي المجاز والكناية: ببيان المعنى الأصلي والمعنى المجازي، والعلاقة وأنواعها، والقرينة مانعة أو غير مانعة من إرادة المعنى الأصلي. وفي البديع: بالمحسنات اللفظية وغير اللفظية وضروبها ومصطلحاتها.
فكان أن جَمَّدوا روح البلاغة فِي قوالب الصنعة وأغلال المنطق، وشغلتهم الحدود والتعريفات والإجراءات، عن لمح سر البيان وذوق الأسلوب وروح النص.
وتوارت قضية الإعجاز فِي الميدان البلاغي، فِي فيض الشروح والمختصرات والحواشي على متن (مفتاح السكاكي) الذي سيطر على الدراسة البلاغية. فانحصرت قضية الإعجاز فِي كتب علوم القرآن الجامعة، كالبرهان للزركشي والإتقان للسيوطي. وفي كتب المفسرين، يتناولونها فِي تأويل آيات لبتحدي والمعاجزة. على نحو ما فعل"الشيخ محمد عبده"فِي تفسير آيتى البقرة:
{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}
حيث كتب فصلاً"في تحقيق وجوه الإعجاز"لخص به مختلف الأقوال فبه. ويعينيا هنا ما يتصل بالبيان، أو ما سماه الإعجاز بأسلوبه ونظمه.