والدلائل إلى الأدلة، والوسيلة إلى الغرض، هو الذي جعله يختم مباحثه البلاغية فِي (دلائل الإعجاز) بفضل يحيل فيه إدراك البلاغة على مبهمات ومجردات مما سماه الذوق والإحساس الروحاني، والأمور الغامضة الخفية. والناس عنده مرضى حتى يلتمسوا الطب لديه.
وقد يجدي أن أنقل هنا هذا الفصل الختامي من (دلائل الإعجاز) يلخص مذهب الجرجاني ويوضح طريقته فِي التناول وأسلوبه فِي الجدل والاحتجاج:
"اعلم أنك لن ترى عجباً من الذي عليه الناس فِي أمر النظم. وذلك إنه ما من أحد له أدنى معرفة إلا وهو يعلم أن ههنا نظماً أحسن من نظم، ثم تراهم إذا أنت أردت أن تبصرهم بذلك تسدر أعينُهم وتضل عنهم أفهامُهم. وسبب ذلك أنهم أوَّل شيء عدموا العلم به نفسه من حيث حسبوه شيئاً غير توخي معاني النحو، وجعلوه يكون فِي الألفاظ جون المعاني. فأنت تلقى الجهد حتى تميلهم عن رأيهم، لأنك تعالج مرضاً مزمناً وداء متمكناً."