وتفرغ الخطابي فِي النصف الأخير من رسالته، لنقض ما سموه"معارضات للقرآن"من مدّعي النبوة، فبسط القول فِي معنى المعارضة وشروطها ورسومها، وضرب الأمثلة من معارضات امرئ القيس وعلقمة فِي وصف الفرس، وامرئ القيس والحارث بن التوءم اليشكرى فِي إجازة أبيات، كما ضرب أمثلة من تنازع الشاعرين معنى واحداً، كأبيات فِي وصف الليل لامرئ القيس والنابغة الذبيانى، وفي وصف الخمر للأعشى والأخطل، وفي صفة الخيل لأبي دؤاد الإيادي والنابغة الجعدي. وقابل هذا كله إسفاف مسيلمة الكذاب وسُخف من تكلم فِي الفيل مبيناً سقم كلامهم وعدم استيفائه شروط المعارضة ورسومها...
ولهذا الفصل من رسالة الخطابي قيمته فِي المباحث البلاغية والنقدية المبكرة. ونرى مع ذلك أن أبا سليمان كان فِي غنى عن الاشتغال بهذيان من ادّعوا النبوة بعد عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجاءوا بسخافات هابطة سقيمة يعارضون بها القرآن فيما زعموا. وهي عندنا أهون من أن توضع فِي الميزان أو يشار إليها فِي مجال الاحتجاج لإعجاز القرآن من جهة البلاغة. ومجرد ذكرها فِي هذا المقام الجليل، ولو للكشف عن سقمها وإسفافها، يرفع شأنها ويعطيها من القيمة ما لا تستحق...
وبلاغة القرآن هي موضوع"علي بن عيسى الرماني"- من القرن الرابع أيضاً - فِي رسالته (النكت فِي إعجاز القرآن) : مهد لها بسرد مذاهب القوم فِي وجوه سبعة للإعجاز، ثم تفرغ للنظر فِي إعجازه من جهة البلاغة.
والبلاغة عنده على ثلاث طبقات، عليا ووسطى ودنيا"فما كان أعلاها طبقة فهو معجز، وهو بلاغة القرآن. وما كان دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس"75
خلافاً لما ذهب إليه أبو سليمان الخطابي من أن بلاغة القرآن تحوز هذه البلاغات فِي طبقاتها الثلاث.