وإنما هو سحر البيان ، عرفه للقرآن مشركو قريش من قبل أن يسمع غيرهم من سائر العرب كلمات منه ، وكان"الوليد بن المغيرة"يتحدث عن سليقة أصلية مرهفة حين لفت قومه إلى أنهم ما إن يقولوا إن القرآن شعر حتى ينكر العرب عليهم ذلك ، وإنما غاية ما يبلغون من وصفه أن يقولوا ما نصح لهم به: إن محمداً جاء بكلام هو السحر يفرق بين الرجل وأخيه وزوجه وولده.
وهم قد عرفوا سحر الكلام ، وأسر البيان.
ولا شيء غير هذا أفهمه من نص الحوار الذي دار بينهم أول المبعث ، ورواه ابن إسحاق فِي (السيرة النبوية) .
وهو أيضاً ما عنوه حين وصفوه بسجع الكهان ، ناظرين فيه إلى ما ألفوا من وقعه على وجدانهم وسيطرته على أفئدتهم ، وذلك ما نعرض له بمزيد تفصيل فِي الحديث عن"السجع ورعاية الفاصلة"فِي النظم القرآني.
وإذ كانت صفة الشعر هي أقرب ما تعلقوا به ، حرص القرآن على أن ينفي عن المصطفى عليه الصلاة والسلام هذه الشاعرية ، لا ذمًّا للشعر كما ذهب الباقلاني فِي الفصل الذي عقده"في نفي الشعر من القرآن"د
ولكن لأن الشعر مظنة الالتباس بالمعجزة البيانية ، نفإذاً إلى الوجدان العربي وسلطاناً على عقولهم وأفئدتهم وضمائرهم.
وأول ما نزل من ذلك ، آية"يس"المكية:
{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} 69 ، 70.
ونص الآية صريح فِي أنها تحديد لصفة القرآن وبيان لمهمته ورسالته ، وليست إعلاناً عن موقف عداء للشعر.
بعدها نزلت آية"الصافات"ترد على من جادلوا فِي المعجزة:
{وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} 36 ، 37.
ثم آية الأنبياء: