وقد عقدت هذا الفصل لما علمت من شدة حاجة المسلمين أنفسهم إليها ، دع أمر دعوة غيرهم أو الاحتجاج عليهم بها ...
"ولعمرى إن مسألة النظم والأسلوب لإحدى الكبر ، وأعجب العجائب لمن"
فكر وأبصر . ولم يوفها أحد حقها على كثرة ما أبدأوا فيها وأعادوا"."
وجاء من بعده السيد مصطفى صادق الرافعى فنظر فِي تراث المكتبة
القرآنية فلم يرَ فيه كله شيئاً ذا بال ، بل وجد أن القوم من علمائنا رحمهم
الله
قد أكثروا من الكلام فِي إعجاز القرآن وجاءوا بقبائل من الرأي لونوا فيها مذاههم ألواناً مختلفات وغير مختلفات ، بيد أنهم يمرون فِي ذلك عُرضا على غير طريق ، وويشتقون فِي الكلام ههنا وههنا من كل ما تمترس به الألسنة فِي اللدد والخصومة وما يأخذ بعضه على بعض من مذاهبهم ونحلهم ، وليس وراء ذلك كله إلا ما تحصره هذه المقاييس من صناعة الحق - فسرها بهامشه فقال: كناية عن علماء الكلام ، وفنهم يقوم على الجدل والمنطق! - وإلى أشكال من هذه التراكيب الكلامية ، ثم فتنة متماحلة لا تقف عند غاية فِي اللجاج والعسر.
والرافعى لا يتحرج من القول بالظن فِي مصنفات السلف: فهر يحكم على
كتاب الجاحظ ، ولم يصل إلينا ، بأنه لم يحاول فيه"أكثر من توكيد القول في"
الفصاحة والكشف عنها على ما يفى بالابتداء فِي هدا المعنى ، إذ كان هو الذي ابتدأ التأليف فيه ولم تكن علوم البلاغة قد وضعت بعد.
وقال فِي كتاب الواسطى ، ولم يصل إلينا كذلك:
"ولا نظن الواسطى بنى إلا على ما ابتدأه الجاحظ ، كما بنى عبد القاهر في"
دلائل الإعجاز على الواسطى""
ثم يشير إلى كتاب لابن سراقة فِي إعجاز القرآن ، ضاع فيما ضاع من
تراثنا ، فيحكم عليه قائلا:
"على أن كتابه لوكان مما ينفع الناس لمكث فِي الأرض"
وتصدى الرافعى للموضوع الجليل ، فتناوله أول الأمر مبحثاً من مباحث