وقوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) .
عَدَل عن اللام، إلى"فِي"فِي الأربعة الأخيرة، إيذاناً بأنهم أكثر استحقاقاً للتّصدّق عليهم ممن سبق ذكره باللام، لأن"فِي"لِلْوعَاء، فنبَّه باستعمالها، على أنهم أحقّ بأن يجعلوا مظنّة لوضع الصدقات بهم، كما يُوضع الشيء فِي وعائه مستقرّاً فيه.
وقال الفارسي: إنما قال:"فِي الرقاب) ولم يقل للرقاب، ليدل على أن العبد لا يملك."
وعن ابن عباس قال: الحمد للهِ الذي قال: (عن صلاتهم ساهون) ، ولم يقل فِي صلاتهم.
فقد علمت من هذا أنه لا بد مِنْ ذكر معاني هذه الأدوات وتوجيهها.
وقد أفردها بالتصنيف خلائق من المتقدمين والمتأخرين،
كالهروي، وابن أم قاسم، وابن هشام، وأنفعها هذا الكتاب البديع المثال، المنيع المقال، بنيت لك مصاعد ترتقي عليها إلى مقاصد، وتطَّلع فيه على فهم الكتاب المنزل، وفتحت لك من كنوزه كل باب مقفل.
فخُذْه كقرصة نِقْي منقى من كل خلط رديء، وكلْ إنْ كنت آكلاً، وإلا فلا تمنعه من الناقل إن لم تكن ناقلاً.
على أني ليس لي فيه مزيَّة، وإنما الفضل لمتقدمي علماء الأمة المحمدية، ملأ
اللَه قبورَهم نوراً، وزاد قلوبهم حبوراً، وأفاض من بركاتهم يوم نُلقَّى كتابنا
منشوراً، فنظرنا إليه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا خفيّة محرفة
عندنا إلا عَدَّها واستقصاها، وأسمعنا تعالى عظيم كلامه، وخاطبنا بعِتابه
ومَلاَمه.
وقال: عبدي، ادنُ مني، فدنوت منه بقَلْبٍ خافق وَجِل، فيقول:
عبدي طالماً أمرتُك فعصيتني، وأمهلتُك فا راعيتني، وخوّفتك عقابي فما خِفْتَني، وتسترتَ بالقبيح عن عبادي، وبه بارزتَني.
ألم أكن على قلبك وجوارحك رقيبا.
اقرأ كتابَك كفَى بنفسك الْيَوْمَ عليك حسيباً.
فهناك يخرس اللسان، وتطيش العقول والأذهان، ولا تطيق من الهيبة البيان.
بل تشهد جوارحُ الإنسان.