قال: المراد بذلك - والله أعلم - الكنايةُ عن المشتبه والواضح من
الطرق، لأن الجادة البيضاء هي الطريق التي كثر السلوك عليها جداً، وهي
أوضح الطرق وأبْينُها، ودونها الحمراء، ودون الحمراء السوداء، كأنها فِي الخفاء والالتباس ضد البيضاء فِي الوضوح والظهور.
ولما كانت هذه الألوانُ الثلاثة فِي الظهور للعين طرفين وواسطة، فالطرف الأعلى فِي الظهور والبياض، والطرف الأدنى فِي الخفاء والسواد، والأحمر بينهما على وَضْع الألوان فِي التركيب، وكانت ألوان الجبال لا تخرج عن هذه الألوان الثلاثة، والهداية بكل عَلَم نصب للهداية منقسماً هذه القسمة - أتت الآية الكريمة منقسمةً كذلك، فحصل فيها التدبيج وصحة التقسيم.
التنكيت
هو أن يقصد المتكم إلى شيء بالذكر دون غيره، مما يسد مسدَّه، لأجل نكتة
في المذكور ترجِّح مجيئه على سواه، كقوله تعالى، (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى(49) .
-خص الشعرى بالذكر دون غيرها من النجوم،
وهو تعالى ربُّ كل شيء ، لأن العربَ كان ظهر فيهم رجل يعرف بابن أي كبْشَة عَبَد الشًعْرَى، ودعا خلقاً إلى عبادتها، فانزل الله: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى(49) .، التي ادَّعيتَ فيها الربوبية.
التجريد
هو أن ينتزع من أمرٍ ذي صفة آخر مثله، مبالغة فِي كمالها فيه، نحو: لي من
فلان صديق حميم.
جرّد من الرجل الصديق آخر مثله متّصفا بصفة الصداقة.
ونحو: مررتُ بالرجل الكريم، والنَّسمة المباركة.
جرَّدوا من الرجل الكريم آخر مثله متصفاً بصفة البركة، وعطفوه عليه، كأنه غيره، وهو هو.
ومن أمثلته فِي القرآن: (لهم فيها دَارُ الْخُلْدِ) .
ليس المعنى أن الجنة فيها غير دار الخلد، ودار الخلد، بل نفسها دار الخلد، فكأنه جرَّد من الدار داراً - ذكره فِي المحتسب.
وجعل منه: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) ، على أن المراد بالميت النطفة.