إلى قوله: (الظالمون) ، فقرع ووبخ، ودعا إلى إخبار ممكن غير ممتنع، فمن معترف ما جحده، ومتواقح باق على فضيحته من كتابة يده، ولم يؤثر أن واحداً منهم أظهر خلافَ قوله من كتبه، ولا بدأ بدْءاً صحيحاً ولا سقيما من صحفه، قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15) .
الوجه العشرون من وجوه إعجازه (الروعة التي تلحق قلوبَ سامعيه وأسماعهم عند سماعه) ، والهيْبَة التي تعْتَريهم عند تلاوته لقوة حاله وإبانة خطره، وهي على المكذبين به أعظم حتى كانوا
يستثقلون سماعه، ويزيدهم نفوراً، كما قال تعالى، ويودّون انقطاعه لكراهتهم له، ولذا قال عليه السلام: إن القرآن صعب مستَصْعَب على من كرهه وهو الحكم.
وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذاباً، وتكسبه
هشاشة لميل قلبه إليه، وتصديقه به، قال تعالى: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) .
وقال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ) .
ويدل على هذا شيء خُصّ به أنه يعتريه من لا يفهم معانيه، ولا يعلم
تفاسيره، كما روي عن نصراني أنه مر بقارئ فوقف يبكي، فقيل له: مِمّ
بكيت، قال: للشجاعة والنظم.
وهذه الروْعة قد اعترف بها جماعة قبل الإسلام وبعده، فمنهم من أسلم لها
لأول وهْلة وآمن به، ومنهم من كفر، فحكي فِي الصحيح عن جُبير بن مطعم، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فِي المغرب: والطور ...)
فلما بلغ هذه الآية: (أم خُلِقُوا من غَيْرِ شيء أمْ هُمُ الخالقون) ...
إلى قوله: (المصيطرون) .
كاد قلبي أن يطير.
وفي رواية: وذلك أول ما دخل الإيمانُ قلبي.