والمتشابه محتاج إلى فكرة ونظر، ليحمله على الوجه المطابق، ولأن المحكم أصل، والعلم بالأصل أسبق، ولأن المحكم يعلم مفصلا، والمتشابه لا يعلم إلا مجملاً.
فإن قلت: وقد أراد الحق البيانَ والهدى لعباده، وأمر بذلك رسوله فِي قوله:
لئبَيِّنَ للناس ما نزَل إليهم.
والجواب أن له فوائد:
أحدها الحث للعلماء على النظر فيه الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن
دقائقه، فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب إن كان مما يمكن علمه.
وثانيها إظهار التفاضل وتفاوت الدرجات، إذ لو كان القرآن كله محكماً لا
يحتاج إلى تأويل ونظر لاستوت منازل الخلق، ولم يظهر فضل العالم على غيره.
وإن كان مما لا يمكن علمه فله فوائد:
منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده والتوّقف فيه، والتفويض والتسليم، والتعبّد بالاشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ، وإن لم يجز العمل بما فيه.
وإقامة الحجة عليهم، لأنه لو أنزل بلسانهم ولغتهم وعجزوا عن الوقوف على معناه مع بلاغتهم وإفهامهم دل على أنه نزل من عند الله، وأنه الذي أعجزهم عن الوقوف.
وقال الإمام فخر الدين: من الملحدة من طعن فِي القرآن لأجل اشتماله على
المتشابهات، وقال: إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى يوم القيامة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه، فالْجَبْرِي يتمسك بآيات الجبر، كقوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) .
والقدري يقول: هذا مذهب الكفار، بدليل أنه تعالى
حكى ذلك عنهم فِي معرض الذم لهم فِي قوله: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) .
وفي موضع آخر: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) .
ومنكر الرؤية يتمسك بقوله: (لا تدْرِكه الأبصار) .
ومثبت الجهة يتمسك بقوله: (يخافون رَبهمْ مِنْ فَوْقهم) .