وقوله: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ(6) .
-مع قوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ(39) .
قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل.
والثانية على ما يستلزمه الإقرار بالنبوءات من شرائع الدين وفروعه.
وحمله غيره على اختلاف الأماكن، لأن فِي القيامة مواقف كثيرة، ففي موضع: يسألون، وفي موضع آخر: لا يسألون.
وقيل: إن السؤال المثبت سؤال تبكيت وتوبيخ والمنفي
سؤال المعذرة وبيان الحجة.
وكقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) ، مع قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: الآية الأولى على التوحيد، بدليل قوله بعدها: (ولا تموتنَ إلا وأَنْتمْ مسلمون) .
والثانية على الأعمال.
وقيل: بل الثانية ناسخة للأولى.
وكقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) .
مع قوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) .
فالأولى تفهم إمكان العدل، والثانية تنفيه.
والجواب أن الأولى فِي توفية الحقوق.
والثانية فِي الميل القلبي، وليس فِي قدرة البشر.
وكقوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) ، مع قوله:
(أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) .
فالأولى فِي الأمر الشرعي، والثانية فِي الأمر الكوني بمعنى القضاء والتقدير.
الثالث: لاختلافهما فِي جهتي الفعل، كقوله:(فَلَمْ تَقْتلوهم ولكنَّ اللهَ
قتَلَهم وما رَمَيْتَ إذ رميت ولكنَّ اللهَ رمى).
فأضاف الفعل إليهم والرمي إليه - صلى الله عليه وسلم - على جهة الكسب والمباشرة، ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير.
الرابع: لاختلافهما فِي الحقيقة والمجاز، كقوله: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) .