وكتغليب غير المتصف بالشرط على المتصف به ومجيء قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [سورة البقرة: 23] بـ"إن", يحتمل أن يكون للتوبيخ على الريبة لاشتمال المقام على ما يقلعها عن أصلها، ويحتمل أن يكون لتغليب غير المرتابين من المخاطَبين على المرتابين منهم؛ فإنه كان فيهم من يعرف الحق؛ وإنما ينكر عنادا، وكذلك قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} [سورة الحج: 5] .
{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) }
(أغراض الاستفهام)
ومنها التوبيخ والتعجيب جميعا؛ كقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [سورة البقرة: 28] أي: كيف تكفرون, والحال أنكم عالمون بهذه القصة؟ وأما التوبيخ؛ فلأن الكفر مع هذه الحال يُنبئ عن الانهماك في الغفلة أو الجهل. وأما التعجيب؛ فلأن هذه الحال تأبى ألا يكون للعاقل علم بالصانع، وعلمه به يأبى أن يكفر، وصدور الفعل مع الصارف القويّ مظنة تعجب، ونظيره: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة البقرة: 44] .
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) }
استطراد إلى التغليب:
والتغليب باب واسع يجري في فنون كثيرة؛ كقوله تعالى: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [سورة الأعراف: 88] أُدخل شعيب - عليه السلام - في: {لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} بحكم التغليب؛ إذ لم يكن شعيب في ملتهم أصلا. ومثله قوله تعالى: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} [سورة الأعراف: 89] , وكقوله تعالى: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [سورة التحريم: 12] عدت الأنثى من الذكور بحكم التغليب وكقوله تعالى: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} [سورة البقرة: 34] عد إبليس من الملائكة