وتحسُرُ (إلى) هذه عن مَسافر وجهها الجميل لتحكي ما اشتملت عليه المشاعر حين جمعت الرفث إلى الإفضاء فيما أحلّ اللَّه للزوجين في شهر الصيام، لتَنْأى بهما عن عُرام الجسد والحبيس في الرغبات المكبوتة في
اللحم والدم بعد أن تستتْبع خلفها معنى السِتْر يتدثر به كل من الزوجين (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) . ولتتصل بأُفق أرفع من الأرض، وبغاية أسمى من اللذة، تَرِقُّ وترقى إلى معارج عُليا للتربية والعطاء ... فيربط توجيه كل نشاط باللَّه عز وجل (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) .
ومن هنا ندرك قيمة الجهد المثمر الحكيم لترقية البشرية والاستعلاء بها، وقيمة المنهج الإسلامي للتربية حين يربط كل نشاط وكل حركة باللَّه عز وجل.
وحسب التضمين أنه جعل في لفظ الرفث نداوة يخضر بها ويرمي ظلاله، ولمسةً رفّافةً تنأى عن عُرام الجسد، تبتغي الإعفاف والإنجاب وتوقظ معنى الستر في هذا الحرف (إلى) ، فجمع من صنوف البيان ما ذاع صيته على كل لسان.
(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(195)
قال الزمخشري: الباء مزيدة مثلها: أعطى بيده للمنقاد. والمعنى: لا تُقْبِضُوا التهلكة أيديكم، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم. وقيل بأيديكم: بأنفسكم.
وقيل: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم كما يقال: أهلك نفسه بيده.
وقال أبو حيان: بعد أن عرض لمعاني صيغة أفعل وأنها هنا للجَعْل على ما استقرأه علماء التصريف وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون الهمزة للتعدية كخرج وأخرجته. والثاني: أن تجعله على صفة، كاطردته أي وجدته طريدا وأحمدته وجدته محمودا. والثالث: أن تجعله صاحب شيء
بوجه ما. و (ألقى) هي من القسم الثاني أي: لا تجعلوا أنفسكم لَقي إلى التهلكة فتهلك، وحام الزمخشري حول هذا المعنى فلم ينهض به.
وقال البيضاوي: والباء مزيدة والمراد بالأيدي: الأنفس. ولا تلقوا بأيديكم إليها فحذف المفعول وعدى الإلقاء بـ (إلى) لتضمنه معنى الإنهاء.
وقال الجمل: الباء مزيدة، مثلها: أعطى بيده للمنقاد. والمعنى: لا تُقْبِضُوا التهلكة أيديكم، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم. وقيل: بأيديكم: بأنفسكم. وقيل: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم كما يقال: أهلك نفسه بيده. وذكر ابن يعيش نقلا عن سيبويه زيادة الباء في المفعول. وكذلك ذكرها السيوطي والزركشي.