أقول: الآية توضح أن الوقوع في المهالك سببه الشح وترك النفقة في القتال وتجهيز الغزاة، أو الجبن عن بذل النفس في ساحات الجهاد، فتُمنى الأمة بالهزيمة فتهلك، فإن انتهوا عما نهاهم اللَّه عنه بلغوا درجة الإحسان: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فالمعنى الأول: يجعلك تنفق في سبيل اللَّه ولا تلقي بيدك إلى التهلكة بترك القتال، والمعنى الثاني؛ لا تُقدِم على القتال بلا إعداد كافٍ. فاللَّه يريد منا أن نزن الأمور وزناً يجعلنا: لا نترك الجهاد فيغلب علينا عدونا فنهلك، ولا نحب القتال لمجرد الرغبة فيه قبل التدريب فيه والاستعداد له.
إنه التعبير ... لكنه مُشع أعطى أكثر من معنى وأشار إلى أكثر من مدلول. جاء النهي عن الوقوع في هذه المهالك بفعل (ألقى) والذي لا يتعدى بالباء، فقال بعضهم: هي زائدة زيدت في المفعول - وإن كانت غير مقيسة - وعبّر باليد عن النفس ولا تُلقوا أنفسكم إلى التهلكة. وقال بعضهم: إن المفعول في المعنى هو (بأيديكم) لكنه ضمن (ألقى) معنى (أفضى) فعبر بالنفس عن الأيدي، ألا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة.
ولعل تضمين (ألقى) معنى (رمى) والمتعدي بالباء يعفينا من القول بزيادة الباء فالبيان المعجز غني عن الزيادة:
وقولهم الزيادة فاطرحه ... وتنكشف المزيةُ للسؤول
وإنَّمَا تنكشف البراعة عند معرفة وجه التأويل في هذه الحروف، وما جاءت إلا لتكسب المعنى نُبلا وتظهر فيه مزية أخص به وأبهر في صناعته.
والمفعول محذوف (أنفسكم) وليس في الإثبات بلاغة كالتي في الحذف: فلا ترموا أنفسكم إلى التهلكة بأيديكم أي بما جنته أيديكم من الشح في النفقة في تجهيز الغزاة. وفي المثل: يداك أوكتا وفوك نفخك.
وفي لفظ (الرمي) ما ليس في الإلقاء من المهانة والمشْأمة قَالَ تَعَالَى: (تَرْمِي بِشَرَرٍ) وقال: (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ) وقال: (يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا) وهذا الإيحاش مراد في سياق الشح بالمال والإمساك عن النفقة في تجهيز
الغزاة، مقصود في عجز الأمة وهزيمتها حين تتخلف عن جهاد عدوها. ونحن مع التضمين لا نحتاج إلى ركوب المسلك الحَزْن بدعوى الزيادة - وهو منكور عند أهل النظر - ولا بدعاوى كثيرة تُعقد المعنى وتجفّف ثراه.