وروى أبو حيان: قيل: التكبير عند رؤية الهلال في آخر رمضان، وقال ابن عباس: هلال شوال. وقيل: التكبير المسنون في العيد. وقال سفيان: يوم الفطر.
أقول: تضمن (التكبير) معنى (الحمد والثناء) فعُدي تعديته فما علاقة التكبير بالحمد؟ الصوم نعمة من نعم اللَّه يستحق منا الشكر والحمد والثناء، أما التكبير والتعظيم فمظهر من مظاهر الثناء على اللَّه المجيد. فالصائمون يشعرون بنعم اللَّه محسوسة ملموسة في استجابتهم لأوامره وفي استجابته لدعائهم (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) فليكبروا اللَّه الماجد ويحمدوه على هذه الدورة التربوية في مدرسة رمضان.
وإذا كان التكبير صورة من صور الحمد والثناء، على اللَّه فتعظيم اللَّه وتمجيده لا يتم إلا بحسن الثناء عليه وفي الصلوات الإبراهيمية: الحمد مقرونٌ بالتمجيد والتعظيم (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) وهل يليق حسن الثناء إلا بعظيم! وهل يستحق الحمد إلا الكبير الجليل! والتكبير في الحج تعظيم للجليل وتمجيد مقرون بالحمد (اللَّه أكبر ولله الحمد) فهو صورة من صور الثناء على الله، فمزية التضمين أنه جمع المعنيين جميعا ليجعل اللغة وسيلة تساعدنا بحسن الصنعة ولطف المأخذ على تكييف سلوكنا مع كتاب اللَّه وأوامره، ومؤسسة تربط النشاط اللغوي بقانون الغاية من الخَلق والتكوين.
(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ...(187)
ذكر أبو حيان: عُدي الرفث بـ (إلى) وإن كان أصله الباء لتضمنه معنى (الإفضاء) . وقد ذهب ابن جني وغيره كابن الشجري والزركشي إلى أنها في معنى الإفضاء.
وأنت لا تقول رفثت إلى المرأة وإنما تقول: رفثت بها أو معها، ولكنه لما كان الرفث هنا بمعنى الإفضاء، وكنت تُعدي أفضيت بـ إلى، جئت بـ (إلى) مع الرفث إيذانا بأنه في معناه.
أقول: الرفث: الإفحاش. وهو بالفرج: الجماع وباللسان: المواعدة للجماع، فتضمين الرفث وهو مقدمات المباشرة أو المباشرة ذاتها معنى الإفضاء والمتعدي بـ (إلى) يمنح العلاقة بين الزوجين لمسة إنسانية تترفع بها عن عالم الحيوان، لمسة حانية فيها من الرفق والنداوة والشفافية مثلما ما فيها من سمّو المشاعر.
أما ما ذهب إليه ابن الجوزي: أن إلى بمعنى الباء فنُبُو عن فقاهة النظم وغضٌّ من نفاسته.