ذكر العز بن عبد السلام: كتب: فرض وألزم. فضمن الكتاب معنى الفرض.
وقال أبو حيان: أخبر تعالى: بكتب القصاص أولا وهو إزهاق الروح وإتلافها. وهو أشق التكاليف ثم بكتب الوصية وهو إخراج المال عديل الروح، ثم بكتب الصيام وهو منهك للبدن.
أقول: (الكتب) كما سلف مضمن معنى (الفرض) فهو متعد بما تعدى به، فإذا سأل سائل: ما معنى أن يجيء التعبير بالكتب ولم يَرِد بالفرض؟
أقول: لأن أحكام اللَّه أنزلها في كتابه وكتبها على عباده، فالكتابة تثبيت لأحكامه المفروضة على العباد والفرض قديم والكتابة محدثة ويأتي التعقيب بالتقوى بعد هذه الفروض الثلاث لماذا؟ لأن العمل بها موكول بالتقوى وشاهد عليها. وفي الحديث قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"قيدوا العلم بالكتاب".
وهكذا يكشف اللفظ في التضمين عن أبعاد مدلوله، حسب وضعه في سياقه مما استودعته فيه هذه اللغة الشريفة.
إنَّ الصوم استعلاء على ضرورات الجسد وإيثار للآجلة على العاجلة.
والقصاص استعلاء على العواطف وحظوظ النفس في القتل أو عند قبول الدية على حد سواء.
والجهاد استعلاء بالبشرية كلها أن ترتفع على ذاتها، وتتمرس على طاعة ربها.
وما جاءت (على) في الفروض الثلاثة إلا لتظهر فيها مزية من الجهة التي هي أصح لتأديتها، وأخص بها، وأكشف عنها، وأبهر في صناعها.
ويبقى التضمين في الفعل تروعك بهجته ويؤنسك بوجهه.
(وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(185)
ذكر الزمخشري والعز: إن (كبَّر) عُدِّي بـ (على) لأنه تضمَّن معنى (الحمد) .
وقال ابن عباس: تكبروا: تعظموا. وروى الآلوسي: أن المراد من التكبير الحمد والثناء مجازا لكونه فردا ولذلك عُدِّي بـ (على) ، واعتبار التضمين أي لتكبروا حامدين ليس بمعتبر لأن الحمد نفس التكبير ولكونه على هذا عبادة قولية، ناسب أن يُعلل به الأمر بالقضاء الذي هو نعمة قولية أيضا.
وعن ابن عباس: أن التكبير عند إهلال شوال حتى يفرُغُوا من عيدهم.
وقال أبو السعود: وتعدية فعل التكبير بـ (على) لتضمنه معنى الحمد، كأنه قيل: ولتكبروا اللَّه حامدين على ما هداكم والمعنى بالتكبير: تعظيمه تعالى بالحمد والثناء عليه.
وأشار السيوطي: على ما هداكم أي لهدايته إياكم: (على) بمعنى اللام. وكذلك الزركشي. والموزعي.