جوهر التضمين ما أنفَسَه! ... يكشف المعنى إذا المعنى انصفق
(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) (148)
قال الزمخشري: استبقوا إليها غيركم. وقال أبو السعود: تسابقوا إليها بنزع الجار. وقال الجمل: بادروا إلى الطاعات. والخيرات منصوب بنزع الخافض.
اقول: يصرف الله المسلمين عن الانشغال بما يبثه أهل الكتاب من دسائس وأقاويل، يأمرهم بالعمل ويصرفهم عن الجدل. إنه الجِدّ ... تصغُر إلى جواره الأقاويل والأباطيل، والمراد من السباق المسارعة والعجلة، وهو غايته وثمرته، علَّه يفوز بجائزة المليك (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) فتضمن (الاستباق) معنى (الابتدار) فعُدي تعديته: في الحديث:"فابتدرت أنا وعائشةُ الكوزةَ فبدرتُها". وفي الحديث:"فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب". وفي الحديث:"رأيت بضعة وثلاثبن ملكا ببتدرونها".
وقال الأعشى:
وبدرت القول أن حييتها ... ثم أنشأت أُفدي وأُهن
يتبادرون فناءَه ... قبل الشروق وبالأصائل
وبهذا فاز التضمين بفضل المعنيين جميعا الاستباق مع الابتدار.
والتضمين في كلام العرب فاش فُشوا في غاية الانتشار فهي تُعنى بألفاظها وتراعيها وتهذبُها لتُصيبَ منها أغراضَها.
والمراد بالخيرات عمومها وصنوفها دون تخصيص، ولم ترتبط بمكان - أينما تكونوا - وارتبطت بالآخرة بعيدة عن المصالح الدنيوية والمآرب الذاتية - يأتِ بكم الله جميعا - فالسرعة السرعة ... والبِدار البِدار ما دمتَ في هذه الدار، والآن الآن قبل أن لا يكون آن. كل خير زهرة، وكل زهرة ابتسامة، ترمي ظلالها المتلألئة وخلفها سِر دفين.
فهل نجنح إلى ما ذهب إليه القائلون بنزع الخافض وهو جنوح عارٍ عن أي فائدة بيانية؟ أم نتحرى الكيس في الإجابة عن نزعها؟ فنضمن الفعل فعلا خالِفا له في وجوده، يحتفِل له ويُفيض فيه إشعاعا كأنه رعشات بيان من نور المادة اللغوية تجعل اللفظ ماءً سائغاً، يُثري معناه، ونفزع إليه عند غيابه لتحصيل الغرض الذي أريد منه، وجيء به من أجله.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ...(178)
وقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) .
وقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ) .