فتضمين (عاهد) معنى (أبرم) أعون على ظهور مزية الصنعة البيانية في قراءة ابن عباس لما بين النقض والإبرام من المقابلة. وتضمين (عاهد) معنى أعطى (أكشف) عن المعنى الوظيفي، ويألفه السياق ويرتاح لاستعماله فهم لا يَثْبتون على عهد ولا يستمسكون بعُروة، بل لا يحفظ بعضهم عن بعض. بئس خَلة في يهود ما يقطعون على أنفسهم عهدا إلا نقضته فئة منهم، صورة قميئة صورة النبذ تشخص النزوة والهوى، وتحمل الحقد الدفين على الإنسانية، لا تثبت على عهد، ولا تجتمع على رأي، سمة النبذ ذات إشعاع، تكشف عن وضع نفسي منحط، فيه مراوغة والتواء، مثلما فيه خداع ونفاق. تعيش يهود في ظله الآثم، وتتنفس في جوِّه الحبيس على مر العصور، شهده السلف، ونشهده اليوم في عالمنا الإسلامي والغرب النصراني على سواء. وسيشهده الخلف إلى قيام الساعة. ولكن أين مَن يتعظ؟!
ويبقى للسياق دوره في تلوّحُ المعنى واستشرافه، لتحديد مدلوله في الموضع الذي بات عليه، ودون قطع اليقين فيه.
(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ...(102)
(على) قدرها الطبري بمعنى (في) ، وأما الطبرسي فقدرها بمعنى (في) و (بالباء) : في زمن سليمان، أو بملك سليمان وذهب الجمل إلى تضمين تتلو معنى تفتري وتكذب. وذهب الآلوسي: إلى أن تتلو: معناه تتبع أو تقرأ. و (على ملك) متعلق بـ تتلو وفي الكلام مضاف محذوف أي عهد ملكه وزمانه. أو (الملك) مجاز عن (العهد) . و (على) بمعنى (في) وقد صرح في التسهيل بمجيئها للظرفية، لأن الملك وكذا العهد لا يصلح مقروءا عليه.
ومن الأصحاب من أنكر مجيء على بمعنى في وجعل هذا من تضمين تتلو معنى تتقول (يعني تفتري) . أو الملك عبارة عن الكرسي لأنه من آلات ملكه فالكلام على حد: قرأت على المنبر. وقال الزركشي: تتلو الشياطين على ملك سليمان أي في زمن ملك سليمان (الظرفية) ومثله الموزعي وأما ابن السيد البطليوسي فضمن تتلو معنى تتقول وتفتري فعداه تعديته ويمكن أن تكون (على) إنما استعملت هاهنا لأن معناه أنهم تقولوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه. كما يقال: تقولت عليه ما لم يقل. ونص الفراء على أن (في) تصلح مكان (على) .