أقول: من معاني فعَّل التكثير، أي بكثرة الرسل يقفو بعضهم إثر بعض.
وتضمين (قفى) معنى (الحق) والمتعدي بالباء: أدق من جئنا بالرسل، وليست التقفية إلا صورة من صور الإلحاق، فالعلاقة بين المضمن والمضمن فيه عموم وخصوص، أما صلة التقفية بالمجيء فتبقى معها في سوء مزاج تبعث على مراجعتها وإعادة النظر فيها.
أو تضمين (قفا) معنى (أردف) والمتعدي بالباء وأردفنا من بعده بالرسل. أو (عقب) وعقبنا من بعده بالرسل: أي والينا من بعده بالرسل وتبقى هذه اللغة الشريفة سمحاء اللفظ، فيها يَختزنُ العديدَ من الدلالات، ويتسعُ لتلبيةِ كثيرٍ من الحاجات فلا يطوي عن إحداها بِشْره هذا وإن إخضاع الحق للهوى الطارئ والنزوة المتقلبة متأصل عند يهود - لعنهم اللَّه - لهم هوى فيه وانعطاف نحوه، فقد آتاهم اللَّه الكتاب وألحقهم من بعد موسى بالرسل تترا، يقفو بعضهم بعضا، سلسلة لا تنقطع وكان آخرهم عيسى ابن مريم أيده بمعجزات باهرات فلما جاءهم بالحق استنكروه وكذبوه فبئست الخلة هذه، كشفت عن لؤمهم وخسة طبعهم وفسولته ودناءته، ثم عن قتلهم الأنبياء صلوات اللَّه عليهم.
فالفضل لهذه الباء بعثتنا على المراجعة لفعل (قفا) وإلطاف النظر فيه.
(أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(100)
ذكر أبو حيان والآلوسي والعكبري: عهدا مفعول به على تضمين (عاهدوا) معنى (أعطوا) . وقال الزمخشري: وقرئ (عوهدوا) واليهود موسومون بنقض العهود. والنبذ: الرمي بالذم.
أقول: الأيدي النابذة للمواثيق ... مشهد حسي يصور تصرف يهود الأرعن، موسوما بالحماقة وسوء الأدب ليكشف عن جحودهم وحقدهم الدفين للإسلام والإنسانية جميعا. إنه انحراف الفطرة لأن النفوس السليمة لا تملك إلا الإيمان مع وجود الحجة والبرهان. ومع كراهيتهم لسواهم لا يحفظ بعضهم عن بعض. فما أبرموا عهدا إلا نقضه فريق منهم.
القرآن يكشف هذه السمة الوخيمة فيهم مع أنبيائهم ومع نبينا صلوات اللَّه عليهم أجمعين.