إنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) [الزُّمَرِ: 42] وَقَالَ: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) [الْمُلْكِ: 2] فَهَذَانَ النَّصَّانِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ تَوَفِّيَ الْأَرْوَاحِ لَيْسَ إِلَّا مِنَ اللَّه تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) [السَّجْدَةِ: 11] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْوَفَاةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ.
ثُمَّ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) فَهَذِهِ النُّصُوصُ الثَّلَاثَةُ كَالْمُتَنَاقِضَةِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّوَفِّيَ فِي الْحَقِيقَةِ يَحْصُلُ بقدرة اللَّه تعالى، وهو في عالم الظَّاهِرِ مُفَوَّضٌ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ، وَهُوَ الرَّئِيسُ الْمُطْلَقُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَهُ أَعْوَانٌ وَخَدَمٌ وَأَنْصَارٌ، فَحَسُنَتْ إِضَافَةُ التَّوَفِّي إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِحَسَبِ الِاعْتِبَارَاتِ الثَّلَاثَةِ واللَّه أَعْلَمُ.
(وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(68)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) وَهَذَا الْإِعْرَاضُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْصُلَ بِالْقِيَامِ عَنْهُمْ وَيُحْتَمَلُ بِغَيْرِهِ.
فَلَمَّا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى صَارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُعْرِضَ عنهم بالقيام من عندهم وهاهنا سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: هَلْ يَجُوزُ هَذَا الْإِعْرَاضُ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوَى الْقِيَامِ عَنْهُمْ؟
وَالْجَوَابُ: الَّذِينَ يتمسكوا بِظَوَاهِرِ الْأَلْفَاظِ وَيَزْعُمُونَ وُجُوبَ إِجْرَائِهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا لَا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ الْمَعْنَى هُوَ الْمُعْتَبَرُ جَوَّزُوا ذَلِكَ قَالُوا: لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إِظْهَارُ الْإِنْكَارِ، فَكُلُّ طَرِيقٍ أَفَادَ هَذَا الْمَقْصُودَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لَوْ خَافَ الرَّسُولُ مِنَ الْقِيَامِ عَنْهُمْ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ مَعَ ذَلِكَ؟