الْقَوْلُ الثَّانِي: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِ رِزْقِهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَمَلَّهُمْ وَتَطْرُدَهُمْ، وَلَا حِسَابُ رِزْقِكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا الرَّازِقُ لَهُمْ وَلَكَ هُوَ اللَّه تَعَالَى، فَدَعْهُمْ يَكُونُوا عِنْدَكَ وَلَا تَطْرُدْهُمْ.
(وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(54)
(وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ(55)
اختلف القراء في قوله (ليستبين) فَقَرَأَ نَافِعٌ (لِتَسْتَبِينَ) بِالتَّاءِ وَسَبِيلَ بِالنَّصْبِ وَالْمَعْنَى لِتَسْتَبِينَ يَا مُحَمَّدُ سَبِيلَ هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمِينَ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ (لِيَسْتَبِينَ) بالياء سَبِيلُ بالرفع والباقون بالتاء و (سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ عَلَى تَأْنِيثِ سَبِيلٍ.
وَأَهْلُ الْحِجَازِ يُؤَنِّثُونَ السَّبِيلَ، وَبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَهُ.
وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِهِمَا فَقَالَ سُبْحَانَهُ (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) [الْأَعْرَافِ: 146] وَقَالَ (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا) [إِبْرَاهِيمَ: 3] .
«فَإِنْ قِيلَ» : لم قال (ليستبين سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) وَلَمْ يَذْكُرْ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ؟
قُلْنَا: ذِكْرُ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي.
كَقَوْلِهِ (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [النَّحْلِ: 81] وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَرْدَ.
وَأَيْضًا فَالضِّدَّانِ إِذَا كَانَا بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ، فَمَتَى بَانَتْ خَاصِّيَّةُ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ بَانَتْ خَاصِّيَّةُ الْقِسْمِ الْآخَرِ وَالْحَقُّ وَالْبَاطِلُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، فَمَتَى اسْتَبَانَتْ طَرِيقَةُ الْمُجْرِمِينَ فَقَدِ اسْتَبَانَتْ طَرِيقَةُ الْمُحِقِّينَ أَيْضًا لَا مَحَالَةَ.
(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ(61)