وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ الْكُلُّ مِنَ اللَّه تَعَالَى وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ السُّؤَالَاتِ.
* إنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ إِمْسَاسَ الضُّرِّ وَإِمْسَاسَ الْخَيْرِ، إِلَّا أَنَّهُ مَيَّزَ الْأَوَّلَ عَنِ الثَّانِي بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَدَّمَ ذِكْرَ إِمْسَاسِ الضُّرِّ عَلَى ذِكْرِ إِمْسَاسِ الْخَيْرِ، وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَضَارِّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهَا الْخَيْرُ وَالسَّلَامَةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ فِي إِمْسَاسِ الضُّرِّ (فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) وَذَكَرَ فِي إِمْسَاسِ الْخَيْرِ (فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فَذَكَرَ فِي الْخَيْرِ كَوْنَهُ قَادِرًا عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إرادة اللَّه تعالى لإيصال الخيرات غالبة على إرادته لإيصال الْمَضَارِّ.
وَهَذِهِ الشُّبُهَاتُ بِأَسْرِهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ إِرَادَةَ اللَّه تَعَالَى جَانِبَ الرَّحْمَةِ غَالِبٌ، كَمَا قال: (سبقت رحمتي غضبي) .
(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ...(19)
«فَإِنْ قِيلَ» : قَوْلُهُ (قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) كلام تام مستقبل بِنَفْسِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ (اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ (شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) خَبَرُهُ، وَهُوَ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا لَا تعلق لها بما قبلها؟
قلنا الجواب فيه وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ نَقُولَ قَوْلُهُ (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً) لَا شَكَّ أَنَّهُ سُؤَالٌ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ جَوَابٍ: إِمَّا مَذْكُورٍ، وإما محذوف.
فإن قلنا: الجواب مذكور: كان الجواب هو قوله (قُلِ اللَّهُ) وهاهنا يتم الكلام.
فأما قوله (شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) فههنا يضمر مبتدأ، والتقدير: وهو شهيد بيني وبينكم، وعند هذا يصح الاستدلال المذكور.