(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ...(6)
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا الْقَرْنُ؟
قُلْنَا قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْقَرْنُ الْقَوْمُ الْمُقْتَرِنُونَ فِي زَمَانٍ مِنَ الدَّهْرِ فَالْمُدَّةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا قَوْمٌ ثُمَّ يَفْتَرِقُونَ بِالْمَوْتِ فَهِيَ قَرْنٌ، لِأَنَّ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهُمْ أَقْوَامٌ آخَرُونَ اقْتَرَنُوا فَهُمْ قَرْنٌ آخَرُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي»
وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْأَقْرَانِ، وَلَمَّا كَانَ أَعْمَارُ النَّاسِ فِي الْأَكْثَرِ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ وَالثَّمَانِينَ لَا جَرَمَ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَرْنُ هُوَ السِّتُّونَ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ السَّبْعُونَ، وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الثَّمَانُونَ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ لَا يَقَعُ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ فَإِذَا انْقَضَى مِنْهُمُ الْأَكْثَرُ قِيلَ قَدِ انْقَضَى الْقَرْنُ.
بَقِيَ هاهنا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ إِلَّا أَنَّهُمْ هَلَكُوا إِلَّا أَنَّ هَذَا الْهَلَاكَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ بَلِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ أَيْضًا قَدْ هَلَكُوا فَكَيْفَ يَحْسُنُ إِيرَادُ هَذَا الْكَلَامِ فِي مَعْرِضِ الزَّجْرِ عَنِ الْكُفْرِ مَعَ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ الْكَافِرِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؟
وَالْجَوَابُ: لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الزَّجْرَ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ، بَلِ الْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ بَاعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيَا فَفَاتَهُمْ وَبَقُوا فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ الْحِرْمَانِ عَنِ الدِّينِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُشْتَرَكٍ فِيهِ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ.