وَخَامِسُهَا: سُورَةُ فَاطِرٍ، فَقَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [فَاطِرٍ: 1] وَظَاهِرٌ أَيْضًا أَنَّهُ قِسْمٌ مِنَ الْأَقْسَامِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) فَظَهَرَ أَنَّ الْكَلَامَ الْكُلِّيَّ التَّامَّ هُوَ التَّحْمِيدُ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَهُوَ إِمَّا وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، وَإِمَّا مُمْكِنُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ.
وَوَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَا سِوَاهُ مُمْكِنٌ وَكُلُّ مُمْكِنٍ فَلَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ فِي الْوُجُودِ إِلَّا بِإِيجَادِ اللَّه تَعَالَى وَتَكْوِينِهِ وَالْوُجُودُ نِعْمَةٌ فَالْإِيجَادُ إِنْعَامٌ وَتَرْبِيَةٌ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) وَأَنَّهُ تَعَالَى الْمُرَبِّي لِكُلِّ مَا سِوَاهُ وَالْمُحْسِنُ إِلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ.
فَذَلِكَ الْكَلَامُ هُوَ الْكَلَامُ الْكُلِّيُّ الْوَافِي بِالْمَقْصُودِ.
أَمَّا التَّحْمِيدَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّوَرِ فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ ذَلِكَ التَّحْمِيدِ وَنَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِهِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَبَيْنَ الْفَاطِرِ وَالرَّبِّ؟
وَأَيْضًا لِمَ قَالَ هَاهُنَا (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) بِصِيغَةِ فِعْلِ الْمَاضِي؟
وَقَالَ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ (الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ فَنَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْأَوَّلِ: الْخَلْقُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ وَهُوَ فِي حَقِّ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ عِبَارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ النَّافِذِ فِي جَمِيعِ الْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ الْوَاصِلِ إِلَى جَمِيعِ ذَوَاتِ الْكَائِنَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ وَأَمَّا كَوْنُهُ فَاطِرًا فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الإيجاد والا بداع، فَكَوْنُهُ تَعَالَى خَالِقًا إِشَارَةٌ إِلَى صِفَةِ الْعِلْمِ، وَكَوْنُهُ فَاطِرًا إِشَارَةٌ إِلَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ، وَكَوْنُهُ تَعَالَى رَبًّا وَمُرَبِّيًا مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَمْرَيْنِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَكْمَلَ.