قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} وقال في سورة بني إسرائيل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} .
للسائل أن يسأل فيقول قوله عز وجلّ: {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} هو ما عليه الاختيار في كلام العرب من تقديم ضمير المخاطب على ضمير الغائب بناء على قولك:
أعطيتكه، والآية في سورة بني إسرائيل قدم فيها ضمير الغائب على ضمير المخاطب، فكأنها بنيت على قولك: أعطيتهوك، وهذا ليس بمختار، فما الذي أوجب اختصاص الأول بتقديم ضمير المخاطب، وأوجب اختصاص الثاني بتقديم ضمير الغائب؟
الجواب أن يقال: أولا ليس الضميران إذا اتصلا بالفعل كالضميرين إذا انفصل أحدهما وعطف على الآخر لأن قولهم: أكرمته وإياك، مثل قولهم: أكرمتك وإياه في أن كل واحد منهما مختار في مكانه الذي يوجب تقديم ما قدم وتأخير ما أخر، بخلاف ما يختار إذا اتصلا بالفعل في مثل: ما أعطيتكه. فأما قوله في سورة الأنعام: {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} فلأن قبله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} أي: من أجل إملاق وانقطاع مال وزاد وهذا نهي عن قتلهم مع فقرهم وخوفهم على أنفسهم إذا لزمتهم مؤنة غيرهم، فكأنه قال: الذي يدعوكم إليه من حالكم في أنفسكم ثم في غيركم لا يجب أن تشفقوا منه فإني أرزقكم وإياهم. وأما الآية الثانية فإنه قال فيها: {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ}
والإملاق غير واقع فكأنه قال: خوف الفقر على الأولاد، وكان عقيب هذا إزالة الخوف عنهم، ثم عن القاتلين أي: لا تقتلوهم لما تخشون عليهم من الفقر فالله يرزقكم وإياهم، فقدم في كل موضع من الموضعين ما اقتضى تقديمه وأخر ما اقتضى الموضع تأخيره.