ولكنَّ الأيامَ التي تحدثُ فيها حوادثُ من نعم اللَّه على عبادِهِ ، لوْ صامَها
بعضُ الناسِ شكرًا ، من غيرِ اتخاذِها عيدًا ، كان حسنًا ، استدلالاً لصيامِ النبيِّ
-صلى الله عليه وسلم - عاشوراءَ ، لما أخبرَه اليهودُ بصيامِ موسى له شكراً ، وبقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمَّا سُئلَ عن صيامِ يومِ الاثنين.
قال:"ذلك يومٌ وُلدتُ فيه ، وأُنزلَ عليَّ فيه".
فأمَّا الأعيادُ التي يجتمعُ عليها الناسُ ، فلا يُتجاوزُ بها ما شرعَهَ اللَّهُ
لرسولِهِ ، وشرعَه الرسولُ لأُمَّتِهِ.
والأعيادُ هي مواسمُ الفرح والسرورِ ، وإنَّما شرعَ اللَّهُ لهذهِ الأمَّة الفرحَ
والسرورَ بتمامِ نعمته وكمالِ رحمتِهِ ، كما قال تعالى:
(قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) ، فشرعَ لهم عيدينِ في سنةٍ ، وعيدًا في كلِّ أسبوعٍ.
فأمَّا عيدا السنةِ:
فأحدُهُما: تمامُ صيامهم الذي افترضه عليهم كلَّ عامٍ ، فإذا أتمُّوا صيامَهم
أعتقهم من النارِ ، فشرعَ لهم عيدًا بعدَ إكمالِ صيامِهم ، وجعله يومَ الجوائِزِ.
يرجعونَ فيه من خروجِهِم إلى صلاتِهِم وصدقتِهم بالمغفرةِ ، وتكونُ صدقةُ
الفطرِ وصلاةُ العيدِ شكرًا لذلكَ.
والعيدُ الثاني: أكبرُ العيدينِ ، عندَ تمامِ حجِّهم ، بإدراكِ حجِّهم بالوقوفِ
بعرفةَ ، وهو يومُ العتقِ منَ النارِ ، ولا يحصل العتقُ من النارِ والمغفرةُ للذنوبِ
والأوزارِ في يومٍ من أيامِ السنةِ أكثرَ منه ، فجعلَ اللَّهُ عقبَ ذلك عيدًا.
بل هو العيدُ الأكبرُ ، فيكملُ أهلُ الموسم فيه مناسكَهم ، ويقضُون فيه
تفثَهم ، ويوفونَ نذورَهم ، ويطوفونَ بالبيتِ العتيقِ.
ويشاركُهُم أهلُ الأمصارِ في هذا العيدِ ؛ فإنَّه يشاركونَهم في يومِ عرفةَ في
العتقِ والمغفرة ، وإنْ لم يشاركوهم في الوقوفِ بعرفةَ ، لأنَّ الحجَّ فريضةُ العمرِ
لا فريضةَ كلًّ عامٍ ، بخلافِ الصيامِ.