التأكيد والقول به في كل موضع. وكما يقول الأستاذ الدكتور/ محمد عبد الله دراز:"... ودع منك قول الذي يستخف كلمة"التأكيد"فيرمى بها في كل موطن يظن فيه الزيادة لا يبالى أن تكون تلك الزيادة فيها معنى المزيد عليه فتصلح لتأكيده أو لا تكون، ولا يبالى أن تكون بالموضع حاجة إلى هذا التأكيد أو لا حاجة له به ..." [1]
وكان على القونوي أن يسلك هذا السبيل، ولا يكتفى بمتابعة البلاغيين الذين قالوا بالزيادة للتأكيد في كل موضع، وكان عليه ألا يسلك سبيل النحاة الذين قالوا بوقوع الزيادة في التنزيل" [2] وقد درس أسرار النظم ومقتضى الحال في حاشيته. وهذا مما يؤخذ عليه في بعض المواضع، ولو قال القونوي إن"ما"في الآية لتوكيد الكلام دون كلمة الزيادة لكان كلامه مقبولًا إلى حد كبير."
ولنا أن نتصور كيف يكون النظم لو حذفت منه"ما"نجد هنالك خللًا في النظم، ونقصًا في المعنى لأننا يجب علينا أن ننظر في السياق ومقتضى الحال ونراعى المناسبة حتى يظهر لنا أثر"ما"في هذا المقام، فهذه الآية تتحدث عن نقض اليهود للمواثيق والعهود التي أخذها الله عليهم بالعمل بما جاء في التوراة وقد جاءت"ما"بعد الباء التي تفيد السببية للدلالة على توكيد نقضهم للميثاق على أبلغ وجه، وأن هذا النقض قد وقع منهم في أبشع صوره حيث أضافوا إليه قتل الأنبياء، وقولهم"قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاَ".
ويقول في قوله تعالى في صفات عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} . [3]
(1) ينظر النبأ العظيم ص 131 ط دار العلم ط ثانية (1390 هـ) .
(2) ينظر التحليل النحوى في القرآن للأستاذ الدكتور/ عبد الفتاح أحمد الحموز 2/ 1278. ط مكتبة الرشد ط اولى (1404 هـ) (1984 م) .
(3) الآية (74) من سورة الفرقان.