إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [1] . حيث قال في المرة الأولى (إنا إليكم مرسلون (وفى الثانية (إنا إليكم لمرسلون (فأكد في الأولى بإن وإسمية الجملة، وفى الثانية بهما، وبالقسم، واللام لأنهم بالغوا في الإنكار فقالوا: (ما انتم إلا بشر مثلنا ... . (ويسمى هذا النوع إنكارياُ" [2] ."
قد ذكر البلاغيون أن الكلام قد يجرى على خلاف مقتضى الظاهر من حال المخاطب أى أن المتكلم فد يجرى لا يعتد بالواقع في صياغته، وإنما يجرى على أمورا اعتبارية تنزيلية يلحظها هو، ويعتبرها مقامان يصوغ عبارته على مقتضاها، وذلك موطن دقيق لا يهتدى إلى مواقعه الشريفة إلا ذكى النفس دقيق الحس واسع الخيال. فينزل غير السائل منزلة السائل إذا قدم إليه ما يلوح له بحكم الخبر فيستشرف له استشراف المتردد الطالب كقوله تعالى: { ... .وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} [3] . وهذه الآية الكريمة تلوح باستحقاقهم للعذاب.
-تنزيل غير المنكر منزلة المنكر إذا ظهر عليه شئ من أمارات الإنكار كقول الشاعر:
جاء شقيق عارضًا رمحهُ:. إن بنى عمك فيهم رماح [4]
وقوله"عارضًا رمحه"معناه: أنه وضعه على عًرْضه بأن جعله على فخذيه بحيث يكون عرضه إلى جهتهم، وكان هذا أمارة عدم التصدى للحرب، فإن مجيئه هكذا مُدَلًا بشجاعته قد وضح رمحه عرضاَ دليل على إعجاب شديد منه، واعتقاد أنه لا يقوم من بنى عمه أحد كأنهم عزل ليس مع أحد منهم رمح.
-تنزيل المنكر منزلة غير المنكر إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع عن إنكاره كما في قوله تعالى: { ... لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [5] . فمعناه أن القرآن ليس محل شك، وهذا ينكره المخاطبون من الكفار، فكان حقه في الظاهر التأكيد ولكنهم نزلوا منزلة غير المنكر فترك التأكيد لهم.
وهناك أضرب أخرى لا يُنظر فيها إلى حال المخاطب، وإنما ينظر فيها المتكلم إلى
(1) الآيات من (13 - 16) من سورة يس.
(2) ينظر الإيضاح 1/ 35، 36.
(3) من الآية (37) من سورة هود.
(4) البيت لحجل بن نضلة الباهلى ينظر الإيضاح 1/ 38، ومعاهد التنصيص 1/ 72 ط عالم الكتب (1367) هـ
(5) من الآية (2) من سورة البقرة.