أما عن أضرب الخبر فيقول القونوي في قوله تعالى في شأن اليهود: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [1] .
"إنما أكد الأول دون الثانى لأنه مظنة التردد لبعده دون العصيان واختير الماضى والمستقبل في (عصوا، ويعتدون) لإرادة الاستمرار في الاعتداء، ولزوم منه الاستمرار في العصيان إذ المراد الاعتداء في العصيان ..." [2] .
وفى موضع آخر يقول في قوله تعالى خطابا للمؤمنين: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [3] .
"قوله (ألا إن نصر الله قريب) .. لما كان المقام مقام تردد أكد الجملة بتأكيدات: الجملة الاسمية، وتصديرها بحرف التنبيه، وحرف التأكيد. أما عن التعبير بالاسم الجليل مع أن المقام موضع الضمير تنبيها على أن مضمونها متحقق لا محالة، وأن العاقبة للمتقين، ولو بعد حين والحمد لله رب العالمين [4] ."
فالمقام مقام تردد في قرب النصر لشدة البأساء والضراء، ولذا احتاج الخبر إلى التأكيد بالجملة الاسمية، وحرف التنبيه، وحرف التأكيد .... الخ، ومما هو معلوم كما سبق أن أدوات التأكيد تتكاثر تبعًا لدرجة الإنكار، وكما يبدو أن الخبر هنا من الضرب الثانى وهو الطلبى.
(1) من الآية (6) من سورة البقرة.
(2) ينظر حاشية القونوى 3/ 105.
(3) الآية (214) من سورة البقرة.
(4) ينظر حاشية القونوى 4/ 83.