فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 681

المواضع اعتمادًا على فطنة القارئ وحسه وذوقه، وإدراكه لأسرار السياق، فيكتفى بالإشارة الدالة، واللمحة الخاطفة كما كان يفعل صاحب الكشاف! ‍

ويقول في قوله تعالى: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [1] .

"قوله (يا حسرتى) والقراءة قراءة الألف مبدلة من الياء أى: يا حسرتا احضرى فهذا أوانك. ولكمال تأسفه نادى الحسرة والندامة تنزيلًا له منزلة العقلاء، وصيغة البعد لكمال دهشة، أو لأن الحسرة لكونها غير محسوسة كانت بعيدة" [2]

وهذا التحليل الدقيق من جهود القونوي، ولم يشر صاحب الكشاف إلى سر النداء في هذا الموضع [3] . واكتفى ببيان القراءات التي جاءت في الآية ويلاحظ إشارة القونوي إلى أن صيغة البعد إما لكمال دهشة، أو لأن الحسرة لكونها غير محسوسة كانت بعيدة. وقد سبق أن السياق الواحد قد يجمع أكثر من معنى مجازى، فالنكت لا تتزاحم، والذى يفصل في تحديد المعنى المجازى الأدق هو السياق والمقام والقرائن.

ويقول في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [4] .

"قوله (يا أيها الذين آمنوا) تصدير الخطاب بتكرير النداء لمزيد تنبيه المخاطبين على أن ما في حيزه كلفة عظيمة ينبغى الاهتمام بشأنها، وأنه مما يغفل عنه أكثر الناس، فأكد الخطاب بتأكيدات عديدة، ووصفهم بالإيمان للإيذان بأن شأنهم الانقياد، ففيه تنشيط لهم، فهو أبلغ من يا أيها الناس" [5] .

فالوصف بالإيمان مرتبط بالنداء تمام الارتباط، فالمؤمنون أحرص الناس على الاستجابة والتلبية لنداء الله وأوامره، ولهذا كان أبلغ من يا أيها الناس ‍!

(1) الآية (56) من سورة الزمر.

(2) ينظر حاشية القونوى 11/ 406.

(3) ينظر الكشاف 4/ 139 وحاشية الشهاب 7/ 346، 347.

(4) الآية (2) من سورة الحجرات.

(5) ينظر حاشية القونوى 12/ 240.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت