ويرى صاحب الكشاف أن جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأن لن يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة، فيقول"والترجى لهما، أى: اذهبا على رجائكما وطمعكما، وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه. فهو يجتهد بطوقه، ويحتشد بأقصى وسعه وجدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ... } [1] [2] ."
والقونوي وإن اتفق مع صاحب الكشاف في أن"لعل"لرجاء المخاطب إلا أنه يختلف معه في الجدوى من إرسالهما مع علمه تعالى أنه لا يؤمن، فعلى حين يرى صاحب الكشاف أن الجدوى من ذلك إلزام الحجة وقطع المحجة، يرى القونوي أن المراد: المبالغة في الاجتهاد، ويبدو أن ما ذهب إليه صاحب الكشاف أنسب بالمقام والسياق، وإن كان ما ذهب إليه القونوي لا يأباه السياق، والنكت لا تتزاحم! هذا ولقد أشار القونوي إلى مواضع أخرى لـ"لعل"تشتمل على معاني الإشفاق، والترجى، والإطماع، ومعنى"كى"أكتفى بالإشارة إلى مواضعها لأن كلام القونوي حولها لا يخرج عما ذكره البلاغيون [3] ،
وإنما أردت مما سبق ذكره حول"لعل"تسجيل عناية القونوي"بالعل"وما وراءها من أسرار، وأن كونها للترجى لا يعنى أنها لا تشتمل على أسرار بلاغية، فلقد لاحظنا أن المواضع التي جاءت فيها في النظم القرآنى لا يحل غيرها محلها فيها، واتضح حرص القونوي على أن يبين ما وراء هذا الاختيار من أسرار تناسب النظم القرآنى، وتناسب السياق والمقام، فليس الإنشاء الطلبى وحده هو الذي يشتمل على الأسرار البلاغية!
وإذا كان وراء الترجى بـ"لعل"من الأسرار البلاغية ما يخدم نظم القرآن، فإن وراء التعجب كذلك أسرارًا بلاغية تخدم السياق والمقام، ولقد أشار الإمام القونوي إلى معنى التعجب،
(1) من الآية (134) من سورة طه.
(2) ينظر الكشاف 3/ 67.
(3) ينظر حاشية القونوى 2/ 96، 97، 3/ 136، 139، 4/ 28، 4/ 37، 141، 6/ 113، 141، 186، 212، 7/ 365، 8/ 47، 109، 8/ 138، 260، 9/ 133، 207، 279، 10/ 199، 12/ 107.