"قوله"وإذا تتلى عليهم"التفات من الخطاب إلى الغيبة لتوجيه الخطاب إلى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، إذ التلاوة وظيفته عليه السلام لكن جعل الفعل مبنيًا للمفعول مسندًا إلى الآيات للإيذان بعدم الحاجة لتعيينه لما مر من أن التلاوة وظيفته عليه السلام" [1] .
وفى قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفُلْكَ تَجْرِي فِي البَحْرِ بِنِعْمةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... } [2] .
"والالتفات من الخطاب إلى الغيبة لأن المقام لكونه مقام العتاب يناسب الغيبة وإراءة الآيات لكونها لطفًا تناسب الخطاب، ..." [3] .
ويلاحظ أن الإمام القونوي يحرص في كل موضع على أن يبين سر الالتفات في كل صورة من صوره، ففى الآية الأولى الغرض من الالتفات تبعيد المخاطبين عن عز الخطاب، وفى الثانية الحط لطالب الدنيا عن عز الحضور، وفى الثالثة للتنبيه على أنهم غائبون عن زمرة المخاطبين، وفى الرابعة لتوجيه الخطاب لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) .... الخ، وفى الخامسة لأن المقام مقام العتاب، وهو مناسب للغيبة، كما أن إراءة الآيات لكونها لطفًا تناسب الخطاب. فهو يحرص على أن يبين أثر الالتفات في النظم من خلال الربط بين أجزائه كما في الآية (32) من سورة لقمان حيث بين أن الالتفات مناسب للمقام كما سبق.
وعن الالتفات من الغيبة إلى الخطاب يقول في قوله تعالى {وإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ} [4] .
بعد أن نقل قول البيضاوي [5] :"قوله (وأقيموا بالصلاة وآتوا الزكاة) يريد بهما ما فرض عليهم في ملتهم"ثم توليتم"على طريقة الالتفات، ولعل الخطاب مع الموجودين في عهد"
(1) ينظر حاشية القونوى 7/ 119.
(2) الآية (31) وبعض الآية (32) من سورة لقمان.
(3) ينظر حاشية القونوى 11/ 87.
(4) الآية (83) من سورة البقرة.
(5) ينظر أنوار التنزيل 1/ 187.