الأحرف السبعة التي نزل القرآن بها.
لكن التواتر المكتوب"المصحفي"وإن كان قد منع كل ما أمكن أن يلحق بالقرآن الكريم من تحريفٍ وتزوير وحذف وإضافة على النسخ المكتوبة، فإن مخاطر إضافية ظلت محدقة؛ ألا وهي اللحن فيه، وتغيير هيئات الألفاظ وإزاحتها عن الهيئة التي تنزّلت عليها، وقد ساهمت حالة الضعف التي أصابت العرب، من جهة ارتباطهم بلغتهم، في زيادة حجم تلك المخاطر، وقد أحال، ذلك الضعف، قراءة القرآن واستيعاب مراميه إلى مهمة محفوفة بالمخاطر؛ وهنا نشأت الحاجة إلى وضع المزيد من الضوابط التي يتم من خلالها المحافظة على تواتر القرآن الكريم، لكن من الناحية السمعية هذه المرة، فكانت قواعد التلاوة والتجويد التي حددت مواقع تلك الأحكام [1] وجعلت منها أساسًا قابلًا للدرس والحفظ يمكن تناقله وتعلمه من جيلٍ إلى جيل.
وقد كان العرب الأوائل بغير ما حاجة إلى تنقيط الخط العربي، أو تشكيله، اكتفاء بما تكوّن لديهم من معارف لغوية بالسليقة، إلا إن الأجيال الجديدة فقدت تلك السليقة، وعلى أثر ذلك فقدت الأمة قدرتها على التعامل المرن مع لغة تميزت دائما بمرونتها وروعتها، بل إن عصور الانحطاط قد قادت الأمة إلى غربة كاملة عن تلك المفاهيم، فلجأ الحريصون على ذلك التراث إلى إيجاد قواعد جديدة للغة، فتم تنقيط الحروف للتمييز بينها، ثم تم تشكيلها، وبالمثل؛ فقد تم تقعيد أحكام التلاوة على هيئة قواعد تدرس مثل كل العلوم الأخرى، لكن؛ وعلى الرغم من كل تلك الجهود؛ فقد ظلت المشكلة قائمة، وتمثلت في حقيقة أن العلم بتلك الأحكام قد أصبح أمرًا ضروريا لقراءة القرآن وفهمه، وهو الأمر الذي لم يكن متوفرا في كل الأحيان، بالإضافة إلى أن العلم بتلك الأحكام كثيرًا ما اتخذ لنفسه هيئة جامدة لا يُعلم الحكمة من ورائها، فأصبحت تمارس من قبيل التقليد، لذا فقد فقدت عملية قراءة القرآن الجزء الأكبر من قدرتها على إعطاء
(1) حسبما حددتها التلاوة الصحيحة المتواترة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) .