الالتفات إلى حقيقة أن تلك الفوارق لا تقتصر على الناحية (التركيبية) فحسب؛ بل تشتملُ، كذلك، على فوارق تمس الجوانب الكميّة (من حيث عدد الألفاظ ونوعيتها) . وتمس كذلك الجوانب النوعية (من حيث الأساليب) [1] في كلٍّ منهما ..
من هنا يتضح لنا عدمُ دقة ما تم تداوله؛ من أن القرآن الكريم قد جاء فعلًا بلغةٍ كانت موجودةً، بكل تفاصيلها، في حياة العرب! ويتضح لنا كذلك ضرورة إعادة النظر في تلك المقولة لتفيد أن"عربية القرآن هي عربية العرب لكن على وجه الإجمال".
إننا نعتقد بأنّ دراسة تلك الحقيقة بشكل مفصل يمكن أن يُرسّخَ حقيقةَ وجود فوارق بين العربيّة التي تنزّل بها القرآن الكريم وبين عربيّة العرب، وأن تميّزَ كلامِ الله عزّ وجلّ عن كلام العرب آنذاك لم يكن كامنًا، فقط، في جوانبه البيانية والتركيبة، بل يُضاف إلى ذلك تميزه من حيث النواحي الكمية أيضا. وبغرض البرهان على تلك الحقيقة فلنعدْ إلى نفس السؤال: هل تنزّل القرآن الكريم، حقًا، بلغةٍ كانت موجودةً، بكل تفاصيلها، في حياة العرب؟! ..
من البَديهِيّ القول أن القرآن الكريم قد تنزّل باللغة العربيّة، وأن العربيّة هي لغةُ العرب، وما من عاقل ينكرُ تلك الحقيقة! .. لكنْ دعونا نتساءل عن: ماهيّة اللغة التي نكتب أو نتحدث بها اليوم؟ .. وعندها سوف يجيبنا البعض: إنها العربيّة الفصحى!!. ولو أعدنا السؤال مرةً أخرى؛ لردّ علينا البعض: نحن نتكلم بلغة القرآن؟! ..
(1) نشير هنا إلى بعض ما جاء به القرآن الكريم وكان مخالفًا لما تعارفت عليه العرب من أساليب اللغة (وكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثيرٌ منهم ولم يُعتبر إنكارُهم، كإسكان {بارئكم} و {يأمركم} وخفض {والأرحام} ونصب {ليجزي قوما} والفصل بين المضافين في {قتل أولادهم شركائهم} وغير ذلك) (مباحث في علوم القرآن، مرجع سابق، ص 191) .