الصحيحة له دون إدراكها، وتعتبر جزءا لا يتجزأ من إعجازه.
ومما يؤكد أصالة ذلك الجانب (التواتر السمعي) أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يقرأ على صحابته ما تنزل عليه من القرآن ليتقنوا سماعهم له، كذلك فلم يكن النبي (صلى الله عليه وسلم) يكتفي بالقراءة لإسماع صحابته (القراءة الشفهية) ، بل كان، أيضا، يحب أن يستمع إليه من أفواه صحابته؛ تعويدًا لهم على قراءته بالشكل الصحيح؛ من ذلك أنه طلب (صلى الله عليه وسلم) من"ابن مسعود"ذات يوم أن يقرأ عليه، فقرأ عليه سورة"النساء"حتى وصل إلى قوله تعالى {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} (النساء:41) فقال عندها (صلى الله عليه وسلم) : (حسبك الآن) فإذا عيناه (صلى الله عليه وسلم) تذرفان [1] .
وتتضح الأهمية القصوى لهذا الجانب التوقيفي (التواتر السمعي) من حقيقة أن جبريل عليه السلام كان يعارض [2] النبي (صلى الله عليه وسلم) القرآن مرة في العام، وعارضه في العام الأخير من حياته مرتين؛ بذلك أخبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ابنته فاطمة رضي الله عنها قائلًا لها: (كان جبريل يعارضني بالقرآن كل سنة، وإنه عارضني مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي) ! وكأن في ذلك تأكيد عل أهمية التواتر السمعي وأصالته!. وكان الناس إبان صحة ألسنتهم، وتوارث ضبطهم للقرآن الكريم بالسليقة لا يحتاجون لمن يضبط لهم قراءتهم، حتى فسدت الألسنة آخر القرن الأول ..
لأجل ذلك فقد قام في كل عصرٍ أئمةٌ ممن اجتمع فيهم حفظ القرآن بقراءته؛ والفهم الصحيح لمعناه، والمعرفة الكاملة بلغة العرب، فتصدوا لضبط ألفاظه، ووضعوا قواعد لقراءته، فكان كل إمام يقرأ بما تواتر عنده من القراءات، وكل تلك القراءات المتواترة مسموع من النبي (صلى الله عليه وسلم) وداخل في نطاق
(1) رواه البخاري ومسلم.
(2) المعارضة هي أن يقرأ أحدهما ويستمع الآخر.