فعروبةُ القرآن الكريم لم يكن المقصود منها، في وقتٍ من الأوقات، فقط إرساءٍ المفهوم قريبٍ والذي يفيد الانتماء العرقي لجنس العرب، ونعتقد بأن الآيات الكريمة التي تحدثت عن عروبة القرآن لم تكن تقصد أن تنسب القرآن للعرب كجنس؛ بقدرِ ما كانت تقصد نسبة العربَ أنفسهم للغةِ القرآن الكريم؛ لأن عروبة الأخير هي الأصل!!.
بل إن القرآن الكريم وهو يُرسّخُ مفهومَ احتوائه على أصلِ لغات البشرية جمعاء؛ إنما يُعزز احتمالات أن تكون اللغة العربيّة المقصودة في القرآن الكريم إنما هي اللغةُ التي أوحاها الله عزّ وجلّ لآدم عليه السلام {وعلم آدم الأسماء كلها} (البقرة:31) والتي توزعت على أمم البشرية جمعاء فيما بعد.
ومن هذا المنظور؛ والذي يشير إلى أن مجموعةً كبيرةً من اللغات (التي اعتقدنا خطأً بأنها لا تمتّ للعربية بصلة) إنما تشكل، في حقيقة الأمر، روافد لأصلٍ لغويٍ واحدٍ هو العربية ببعدها الرباني؛ وأن عملية إعادة توحيد تلك الروافد في لغةٍ واحدة (هي في أصلها من عند الله) إنما يضارعُ في معناه حقيقةَ استكمال الدين في هذا الوجود! .. وذلك عبر توحيد الرسالات واستكمالها في رسالةٍ واحدةٍ خاتمة، والتي قال فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (مثلي ومثلُ الأنبياءِ من قبلي كمثلِ رجلٍ ابتنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضعَ لبنةٍ من زاوية، فجعلَ الناسُ يطوفون به؛ ويعجبون منه؛ ويقولون: لولا هذه اللبنة، فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين) (متفق عليه) .
وفي ضوءِ ما نطرحه هنا يمكننا الولوج إلى حقيقة هامة مفادها أن توحيد الدين في رسالةٍ خاتمةٍ، هي الإسلام، إنما ترافق مع حقيقة أخرى تمثلت في إعادة توحيد اللغةِ أيضًا! ليصبحا فيما بعد دلالةً على جوهرٍ عالميٍ واحدٍ هو رسالة الإسلام. فبتنزّل القرآن الكريم بالعربيّة لم تعُدِ العربيّةُ لغةَ العربِ وحدهم، بل