إن تلك العودة تقتضي منا الانسحاب من الاضطراب إلى الثبات، وهذا يقتضي منا تحليل كل ما يقع تحت أيدينا إنطلاقًا من قاعدة ثابتة.
إن قارئ القرآن الكريم عرضة لعدد كبير من العقبات التي يمكن أن تواجهه وتمنعه من الوصول إلى معاني القرآني الكريم ومراميه ..
أما العقبة الأولى التي تواجهه وتمنعه من الولوج إلى أسرار جماله فهي: فقدان حس التذوق للغة، وقد أدى ذلك إلى فقدان مفردات القرآن لمعانيها، وتحوُل أُخرى إلى كلمات غريبة على قارئه؛ مع أنها تحمل مضامين النص القرآني، وقد أدّى ذلك كله إلى حالة من الضبابية وعدم الفهم لما يطرحه القرآن الكريم من أحكام وتوجيهات، فكانت النتيجة النهائية: هجران القرآن من الناحية الفعلية، وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الحالة حين قال:
{وقال الرسول يا ربّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} (الفرقان:30)
وقد أدت تلك الحالة إلى أن أصبحت عملية القراءة غير مقترنةٍ دائمًا بالفهم، وأصبح عدم فهم القرآن عاملا من عوامل التثبيط لعملية القراءة، مما أدى إلى تكريس شبه دائم لحالة الجفاء والهجران بين الإنسان المسلم والقرآن.
ولعل تلك المشكلة (المتمثلة بحالة"الهجران"والتي أصبحت تغلف علاقة المسلم بدينه وبكتاب ربه) لعلها تلقي بظلال كثيفة من المسئولية تدفع كل مهتم لإيجاد السبل الكفيلة بالتغلب على تلك الحالة، والتي تعتبر مظهرا من مظاهر السقوط الحضاري؛ والتي تعني في أفدح وجوهها فقدان الإنسان لأداة الفهم، أداة التعبير، وأداة التفاعل مع المحيط أخذًا وعطاءً.
لكن المشكلة، وبسبب طبيعتها المعقدة، فإننا لا نرى شيئا واحدا يمكن أن نفعله منفردا يكون كفيلا بحلها، وقد يكون جزءًا من الحل تغيير المناهج الدراسية بكاملها، وإعادة بنائها من جديد على أسس مستقيمة، خصوصًا تلك