التقويم الهجري
كمظهر من مظاهر النقلة النوعية في حياة العرب
لقد كان للنقلة المنهجية والتصورية في حياة العرب ثمارًا حلوةَ الطعم؛ وضعتهم على أولى درجات التحضر والاكتشاف، وذلك تمهيدًا للانطلاق إلى نواحي العالم الأربع؛ متسلحين بحرارة التوجه وبنور الرسالة .. ولقد كانت هناك ضرورات ملحة لابتداع أسلوبٍ جديدٍ للتقويم، والذي اعتبر بدوره أساسا راسخا من أساسات التحضر والعمران، حيث أدرك المسلمون ضرورة أن يُستقى التقويم الجديد من القيم الذاتية للأمة الناشئة!.
وتعتبر بداية التقويم الهجري في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مظهرًا من مظاهر تأثر العقلية العربية تأثرا منهجيًا بالقرآن الكريم؛ وبداية تحولها من المنهج الذاتي (البيولوجي) المتمحور حول الذات إلى المنهج الكوني (الموضوعي) المتجه إلى العالم المحيط، ويعتبر التقويم الهجري حدًا فاصلًا بين مرحلتين من مراحل تطور الوعي العربي في شبه الجزيرة العربية. وبدخول التقويم الهجري إلى حياة العرب فقد نما نوعٌ من التوافق بين طريقة تفكير الإنسان العربي وبين قوانين الكون من حوله، وقد أصبح للتاريخ، بفضل التقويم الجديد، حصيلة تراكمية نفت عنه صفة الانقطاع، حيث كانت الحصيلة، في التقويم الذاتي، تختفي دائما في نهاية العام لتعاود الظهور في العام الذي يليه، ولقد مهد التقويم الجديد لعملية تدوين ناجحة، ارتكزت على أسلوب تراكمي في حساب الوقت، وبفضل التقويم الهجري فقد أصبح للدراسات التاريخية قيمة إضافية تعدت كونها مجرد أحداث ذات مضامين أخلاقية، لتتحول إلى ناحية التأريخ للأحداث في إطارها الزمني والموضوعي الذي وقعت فيه!.